نور أبو عيشة
غزة-الأناضول:
بين قطعةِ أرضٍ وأخرى، يتنقل المواطن الغزيّ، يحملق حوله مذهولاً، يقلّب كفيه من هولِ سعر "متر الأرض" في قطاع غزة.
حيث يشتكي الشارع الغزيّ من الارتفاع الفاحش لأسعار الأراضي والعقارات السكنية، خاصةً في ظلّ تردّي الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع نسبة البطالة، وانخفاض معدلات الدخل بفعل الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة للسنة الخامسة على التوالي.
وتفرض إسرائيل حصارًا مطبقًا على قطاع غزة جوا وبحرا وبرا، عقب سيطرتها على غزة، بذريعة منع إدخال أي مواد قد تستخدم لأغراض عسكرية.
ويبدو المشهد حاملا للكثير من التناقض، بسبب ارتفاع نسبة الفقر في غزة، لكن ارتفاع عدد السكان الكبير، مقارنة بالمساحة الجغرافية الضيقة قد يفسر هذا الأمر، حيث يبلغ عدد سكان قطاع غزة، نحو مليون و 700 ألف نسمة، يقطنون شريطا ساحليا ضيقا، لا تتجاوز مساحته الإجمالية 365 كليومترا مربعا.
وقال المواطن محمد رضوان من سكان مدينة غزة، إنه قبل سنتين ونصف السنة كان يملك مبلغاً من المال يكفي لشراء قطعة أرض في منطقة سكنية "مستوى ثالث"، لكنه انجذب لقطعة أرض في حي "تل الهوى" الواقع جنوب مدينة غزة، بحيث كانت تنضم لأرض واسعة، فقرر أن يشتريها.
وبدأ رضوان ببناء أحلامه، وقام خلال عامين ونصف العام بتجميع المال اللازم لشراء الأرض التي أرادها، حتّى إذا ذهب إلى صاحب قطعة الأرض –بعد جمع ثمنها- ليجد سعرها ارتفع أكثر من الضعف.
وأكمل رضوان لوكالة "الأناضول" للأنباء:"الآن لا أستطيع أن أجد قطعةَ أرض لأستقر وعائلتي بها، إلا إذا استدنت مالاً، والوضع الاقتصادي للجميع سيئ، يبدو أن طمع أصحاب الأراضي سيكتب لي أن أكمل حياتي في شقةٍ صغيرة".
وأما سعيد المدلل من سكان رفح جنوب القطاع، أراد أن ينتقل ليعيش في مدينة غزة، ليصبح قريباً إلى مركز الحياة في القطاع.
لكنه أبدى استياءه من ارتفاع الأسعار المخيف، قائلاً:"سعر متر الأرض في المناطق السكنية يتراوح مابين 550-700 دينار" (الدولار: 0.7 دينار) .
وأوضح لـ"الأناضول" أن هذه الأسعار تفوق قدراته وقدرات الشعب الغزي، مطالباً الحكومة للتدخل للحد من ارتفاع الأسعار، خاصة وأنه في حال رفع تاجر سعر أرضه، يجاريه التجار الموجودين في نفس المنطقة.
وذكر صاحب شركة سكيك للعقارات علاء سكيك أن في السنوات الخمس الأخيرة ارتفع سعر متر الأرض بنسبة 150%-200%.
بحيث ارتفع سعر متر الأرض في الأراضي السكنية في مدينة غزة إلى 700 دينار، وأما في جنوب القطاع وصل سعر المتر إلى 200 دينار كما هو الحال في شمال القطاع.
وعند الحديث عن أسعار الشقق السكنية، فلا نلحظ اختلافاً بين ارتفاع أسعار الأراضي والشقق، فقد بات الحال مشابهاً، وقال سكيك لـ"الأناضول":" ارتفع سعر الشقة من 50 ألف دولار إلى 100 ألف دولار في مدية غزة".
وأرجع سكيك سبب ارتفاع أسعار الأراضي إلى أن أصحاب الأموال في القطاع يلجأون إلى استثمار أموالهم في تجارة الأراضي، بالإضافة إلى الوضع السياسي الحصار المفروض على غزة كلّه أدى إلى ارتفاع الأسعار.
وقال سكيك:" أصحاب الأراضي الموروثة والملاك الأصليين للأراضي، وأصحاب رؤوس الأموال، هم من يودعون الأراضي للبيع في المكاتب العقارية، أما الأشخاص متوسطو الدخل فلا يتحملون عناء زيارة هذه المكاتب؛ لانعدام قدراتهم الشرائية".
وفي السياق نفسه، ذكر تاجر العقارات نعيم أبو ثابت أن ارتفاع الأسعار غزا قطاع غزة كلّه، بحيث ارتفع سعر دونم الأرض في جنوب قطاع غزة من 50 ألف دينار إلى 200 ألف دينار.
وأوضح أبو ثابت أن المناطق الحدودية والتي يقدّر قربها من الحدود الفاصلة مع الجانب الإسرائيلية بــ(500) متر لا أحد يفكر بالشراء فيها.
وعلل أبو ثابت ارتفاع أسعار الأراضي بعدم وجود مشاريع آمنة في قطاع غزة، بحيث يفضل أصحاب رؤوس الأموال استثمار أموالهم في العقارات والأراضي، خوفاً من عمليات النصب، ومن الغارات الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة في حال تم التفكير في مشروعٍ صناعي.
ويقول بعض المراقبين، إن من أسباب ارتفاع ظاهرة غلاء أسعار العقارات والأراضي، وجود ظاهرة الأغنياء الجدد التي طفت في المجتمع الفلسطيني نتيجة انتعاش عمليات التهريب عبر الأنفاق الواصلة بين غزة ومصر، في أعقاب تشديد الحصار الإسرائيلي منتصف عام 2007 .
لكن مراسلة وكالة الأناضول في غزة، تقول إن هذا التفسير يفتقد لوجود دلائل على الأرض.
ومن جانب آخر، بيّن وزير الاقتصادي الوطني في حكومة قطاع غزة "علاء الرفاتي" أن أسباب ارتفاع أسعار الأراضي باتت متعددة، ومنها الكثافة السكانية العالية وزيادة الطلب على الأراضي من قبل التجار، بالإضافة إلى استثمار الأموال في تجارة الأراضي.
وأكمل الرفاتي لـ"الأناضول":"وجود مؤسسات تملك روؤس أموال عالية كمنظمات المجتمع المدني، المدعومة من الغرب، وإنشائها للمشاريع المتنوعة في القطاع، وبحثها عن الأراضي، دفع أصحاب الأراضي إلى رفع الأسعار بشكل مخيف".
وذكر الرفاتي أن الأراضي الحدودية مع الشريط المصري كانت قبل الحصار المفروض على قطاع غزة غير مرغوبة من قبل الناس، ولا أحد يقبل على شرائها، أما اليوم فقد وصل سعر المتر في تلك المناطق إلى 3000 دينار.
وتوقع الرفاتي تزايداً مستمراً لأسعار الأراضي إذا بقي الحال كما هو عليه.
وأيّد الرفاتي وجود رقابة حكومية، أو دولية على تسعيرة الأراضي بحيث لا تتجاوز نسبةً معينة، تسهيلاً لسكان القطاع.
وأوضح أن المشاريع الاستثمارية في قطاع غزة تؤول إلى الفشل، بسبب الحصار الإسرائيلي مما يدفع أصحاب رؤوس الأموال للاتجار بالأراضي، فهي تجارة آمنة، مضمونة، لا تخسر أبداً.