غزة- الأناضول
إبراهيم قليج
سليم الزريعى، صاحب ربع قرن من الغياب فى سجون الاحتلال، يؤكد على أن فلسطين أكبر من الجميع، ويدعو إلى ضرورة إنهاء الانقسام الفلسطيني. ويصف الزريعى، الملقب بـ "مانديلا فلسطين"، الشيخ الراحل أحمد ياسين بـ"المعلم"، معتبراً فى مقابلة مع وكالة أنباء الأناضول أن "الشيخ ياسين كان رجلاً يحمل همّ كل فلسطين".
فإلى نص الحوار:
- من هو سليم الزريعي "مانديلا فلسطين" قبل الالتحاق بالمقاومة؟
- أنا مواطن فلسطيني، تعرضت أسرتي للتهجير من مدينة بئر السبع، ولجأت الى قطاع غزة، الذي لجأ إليه العديد والآلاف بل مئات الآلاف من الفلسطينيين. درست في مدارس غزة، ولم أتمكن من إكمال دراستي بسبب العدوان الاسرائيلي عام 67، ومن ثم التحقت بالمقاومة الفلسطينية في حركة فتح، وأديت واجبي، وكنت من الذين وقعوا في الأسر قبالة مدينة حيفا، ومكثت 24 عاماً مع آلاف الأسرى الفلسطينيين والعرب والمسلمين الذين تعج بهم السجون الإسرائيلية، والتي هي أشبه بـ"الباستيلات" في فرنسا ومعسكرات الإبادة في ألمانيا النازية.
هذا بشكل موجز، أما التفاصيل فهي مؤلمة جداً، إذ في البدايات كان هناك الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني يتم إعدامهم دون أن يلتفت لهم الاعلام، لأن الإعلام كان ضعيف جداً. وكان يقتل "القضاة والمحامين والطلبة والمزارعين والعمال" بدم بارد على أيدي الصهاينة. يقتلون فقط لأنهم يدافعون عن هويتم الوطنية وعن بقائهم في الحياة. نحن أكثر الناس حباً للحرية وللسلام، ولكن لا نقبل بأي شكل من الأشكال أن يأتي يهودياً من روسيا، روسي الأصل والجنسية، أو أن يأتي "اشكناز" من ألمانيا وأوروبا الغربية، ويحتلوا أرضنا ويطردونا منها. لقد "كان للشعب الفلسطيني دور كبير في انقاذ اليهود أيام الاحتلال النازي، فتحنا لهم بيوتنا عندما كانوا يُحرَقوا في ألمانيا، ولكنهم طردونا من بيوتنا"
- كيف تم انضمامكم إلى العمل المسلح، وما هي مسؤولياتكم في وقتها، وما هي الأعمال الفدائية الفدائية التي تم تنفيذها، والمهام التي أوكلت لكم؟
- كأي مواطن فلسطيني، التحقت بالمقاومة، وقاتلت في جبهات عدة، في الأردن، وعلى الحدود الأردنية الفلسطينية المحتلة عام 48 ، وفي لبنان على الحدود الفلسطينية اللبنانية، وفي البحر، وفي قطاع غزة، وفي سيناء، وقاتلت مع من قاتلوا، وفي ذلك الحين كان هناك الكثير من الطلبة الفلسطينيين الذين تركوا الجامعات والتحقوا بالعمل الفدائي، وبل وأحرقوا كتبهم، والتحقوا بالعمل الفدائي تحقيقاً لحلم الحرية ودفاعاً عن شعبهم وهويتم الوطنية، وهذا هو ديدن الشعوب المحتلة، فـ"الفيتناميين" قاتلوا لسنوات طويلة ضد الاحتلال الياباني والفرنسي والأميركي. وخرج الأميركيون مذعورين هاربين من الذين أسموهم في ذلك الحين، أسموا الثوار الفيتناميين بأنهم "الحفاة". وانتصر الحفاة وهرب الأميركان من "سايغون"، التي سميت باسم قائد الثورة الفيتنامية "هوتشي منه".
- أين تم اعتقالكم وملابسات ذلك ومجريات التحقيق معكم؟
- تم اعتقالي قبالة مدينة حيفا المحتلة، وفي ذلك الحين غيرت إسمي، لأنني كنت مطلوباً لهم، وبقيت في السجن شهرين دون أن يتم التعرف علي، وبعد ذلك تم الكشف عن إسمي بواسطة أحد العملاء.
سجنت في السجون الإسرائيلية التي أقامها الاحتلال البريطاني عام 1921، وهي ثلاث سجون رئيسية "جلمة، والرملة وعسقلان" والتحقيق في هذه السجون يعتمد على العنف الجسدي، وعدم السماح للأسرى بالنوم لأيام عديدة، ولا أغالي إن قلت لأشهر، لانتزاع اعترافات، وربما الكثير من الأسرى كانوا يدلون باعترافات كاذبة تحت هذا الضغط، وربما لأنني أحمل قضية وطنية وأعتقد أنني مؤمن بها ايمان كامل تحملت هذا التحقيق الذي استمر لمدة شهرين في زنزانة منفردة سعتها متر واحد في متر، وملونة من الداخل باللون الأحمر داخل معسكر "صرفند" العسكري، ولم يُؤخذ مني سوى ما قلته، وتحملت واجتزت تلك المرحلة بنجاح كبير.
- ما هو دوركم داخل المعتقلات، وكيف استطعتم تحويل السجون الى أكاديميات تخرج الثوار والمناضلين الأحرار؟
- خارج الأسر، كانت المعركة تدور بيننا وبين والاحتلال على الأرض، أما داخل السجون فكانت المعركة تدور على الإنسان، لأن الإنسان هو ساحة الصراع، وفي نفس الوقت الإنسان هو أداة هذا الصراع، فالاحتلال كان يحاربنا في لقمة العيش في الطعام والشراب واللباس وفي الهواء الذي نتنفسه، في السجون تم إعدام الكثير من الناس، قتلوا بدم بارد، أذكر على سبيل المثال: أننا خضنا إضراباً عن الطعام، لتحسين ظروفنا الحياتية والإنسانية والمعيشية فأتوا بنا عام 1980 وتم توقيفنا الى الحائط وأخذوا أول أسير للضرب، وذلك من أجل كسر الإضراب عن الطعام، فقاموا بضرب الأسير "علي الجعفري، حتى استشهد، وأتوا بالأسير الثاني "راسم حلاوة" وضربوه حتى استشهد، وأتوا بالثالث واسمه "اسحاق مراغة" وضربوه الى أن شارف على الموت. وفي ذلك الحين تمكن أحد الشيوعيين اليهود من معرفة الحادثة وتحدث في وسائل الإعلام فتم وقف تلك المذبحة، وهي مذبحة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، حيث استشهد ثلاثة في ذلك الاضراب، ولكننا تمكنا من تحسين ظروفنا المعيشية داخل الاسر، وتحسين شروط الحياة،
كل فلسطيني كان يحمل وطنه في صدره، ويحمل بلده في صدره، باعتبار أن معركة السجون تختلف عن المعارك في الخارج، في معركة بالعلم والثقافة، فالأسرى منهم المعلم والمهندس والطبيب والأكاديمي، وتمكنا من أن نخلق حالة ونهضة ثقافية في أوساط الأسرى الفلسطنيين، وتمكنا من أن يكون لنا تأثير على الشارع الفلسطيني والجامعات الفلسطينية و المدارس وذلك بواسطة الأسرى الذين تخرجوا من السجون .
عندما كنت داخل السجن، قابلت نحو نصف مليون فلسطيني، والتقيتهم وكنا نعقد جلسات يومية ، وكنا نعطيهم دروس في التاريخ والجغرافيا وكل مجالات الحياة حتى نتمكن من أن نخدم بلدنا بالعلم كما خدمناها بالبندقية.
- 5- أهم الانجازات التي حققتها الحركة الأسيرة داخل السجون الاسرائيلية خلال فترة قيادتكم للحركة الاسيرة؟
- تم تحقيق وحدة كافة الأسرى من كافة الفصائل، وكان لنا قيادة واحدة تأتمر بأمر القيادة رغم اتساع السجون وبعدها عن بعضها البعض، أي أنه عبر ورقة صغيرة كان الأسرى يلتزموا بأي تعليمات تأتيهم من قيادة الأسرى التي تتشكل من كافة قيادات فضائل منظمة التحرير الفلسطينية، تمكنا من انتزاع الاعتراف بنا وبتمثيلنا داخل الأسر، وهذا كان له بعد سياسي، حيث كانت اسرائيل ترفض الاعتراف بنا، ولكنها رضخت له.
أذكر في أحد الأيام قررنا الاضراب عن الطعام، وبتعميم واحد أضرب 11 الف أسير فلسطيني في يوم واحد وفي ساعة واحدة وفي ثانية واحدة، وهذا أزعج سلطات السجون، وسلطات الكيان الصهيوني، مما جعل الأسرى الفلسطينيين ان يكون لهم حضور حتى على المستوى الدولي، لأننا تمكنا من أن نرسل رسائل الى الأمين العام للأمم المتحدة، والى الاتحاد الاوروبي والى دول عدم الانحياز والى الدول الافريقية، نطلب منهم الوقوف الى جانب الحق، والوقوف الى جانب الاسرى الفلسطينيين الذين يعانون الأمرَين داخل أقبية سجون الاحتلال الاسرائيلي.
- ما هي ملابسات عدم الافراج عنكم في العديد من صفقات تبادل الأسرى؟
- في صفقات كثيرة كانت تعترض اسرائيل على خروجي من السجون الاسرائيلية بحجة كما يقولون أن يدي ملطخة بالدم، وفي الحقيقة الأيدي الاسرائيلية كلها ملطخة بدماء الفلسطينيين والمسلمين وبدماء الاتراك، وعلى ما أظن أن الأمر كان يتعلق برفض الاسرائليين الدائم والصارم في كل صفقات التبادل لاخراجي.
أما مناسبة اخراجي فكانت أثناء توقيع اتفاقية اوسلو في واشنطن ، كان هناك طلب مقدم الى الرئيس ياسر عرفات رحمه الله بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون، بأن يتم الافراج عني وعن الشيخ احمد ياسين رحمه الله، ووعد الاسرائيليون بأن ينظروا في هذا الامر وبعد ذلك وافقوا بالافراج عني، ورفضوا الافراج عن الشيخ احمد ياسين.
وحقيقة عندما تم الإفراج عني كنت أكثر الناس إحساساً بالألم لأنني تركت خلفي 11 الف اسير فلسطيني، انتابني شعور بالألم كوني أترك زملاء عشت معهم أكثر مما عشت مع أهلي، فأنا خرجت ولم أجد أي أحد من أهلي، كلهم توفوا، ولكني أشعر أن أهلي هم 11 مليون فلسطيني، وربحت أكثر، وأشعر أن كل بيت فلسطيني هو بيتي، لذلك ناضلت من أجل اطلاق بقية سراح الأسرى وكان لنا جولات في المفاوضات مع الاسرائيليين في "طابا" ثم طلب الاسرائيليون إبعادي من المفاوضات، وأصروا على ذلك الى أن تم استبعادي.
- كيف كانت علاقتكم بالشيخ أحمد ياسين؟
- الشيخ أحمد ياسين، صديق وشيخ فاضل ومن المناضلين الذي يغلب عليه التوجه الوطني أكثر من أي توجه آخر، فالشيخ أحمد ياسين يؤمن بالوحدة الوطنية، ويؤمن أن فلسطين لكل الفلسطينين، وبأن فلسطين أكبر من كل الفصائل وأكبر من كل التنظيمات، والتنظيمات وجدت لخدمة فلسطين، وكان يقول: فلسطين لا يمكن أن تختزل في تنظيم سياسي او تنظيم عقائدي، فلسطين تَختزل ولا تُختزل، هذا قوله رحمه الله.
- عملت بعد الافراج عنك أمين سر حركة فتح بقطاع غزة ، كيف تقيم تلك المرحلة بما هو عليه الآن؟
- مرحلة كانت صعبة جداً، وكانت تحتاج إلى جهد كبير، أن تنتقل من عمل سري إلى علني فهذا يحتاج إلى جهد غير عادي، ويحتاج إلى فرز وإلى تمييز وإلى أن يكون هناك أرشيف لكل أبناء الحركة، و أعتقد أن الكثير من المناضلين كان لهم جهد كبير في لملمة هذه المجموعات التي كانت تعمل تحت الأرض، واستطعنا في فترة قياسية أن يكون لنا تنظيم واضح علني بعد قدوم السلطة.
- كيف كان لقاؤك وانت مانديلا فلسطين، بنيلسون مانديلا افريقيا؟
- كان حلم لي أن ألتقي نيلسون مانديلا ، على اعتبار أن شعب جنوب افريقيا انتصر من خلال هذا الرجل، وهذا الرجل كان يمثل الحرية لكل ما تعنيه الكلمة من معنى، نحن نعلم أن السود في جنوب افريقيا عانوا من التمييز العنصري ضدهم فكان هذا بالنسبة لي حلما، فحينما التقيته في جنوب افريقيا اصطحبني إليه الرئيس الراحل ياسر عرفات واحتضنني، والتقيت بالقس "تزمنتوتو" وهو من المناضلين، وأذكر أنه وقف وقال للبريطانيين البيض في ذلك الحين "لقد أتيتم لنا بالإنجيل في جنوب افريقيا وأخذتم بلادنا، خذوا إنجيلكم واتركوا لنا بلادنا"
- ما هو رأيكم في الربيع العربي، وتداعياته على القضية الفلسطينية؟
- الربيع العربي كان يجب أن يأتي من زمن بعيد، لأن الأمة العربية تم تقسيمها حينما تم العدوان على الدولة العثمانية، فتم حينها تقسيم الوطن العربي وإرث الدولة العثمانية تم تقسيمه في "سايكس بيكو" ، فهنا لابد من وحدة هذا الشعب.
ويؤلمني جدا ما أشاهد في التلفاز وما أرى من مذابح ضد أبناء الشعب السوري، ولا يوجد أي حاكم يمكن أن يحترم نفسه يمكن له أن يقتل أبناء شعبه بهذه الطريقة البشعة، هذه بشاعة لا يمكن أن يقبلها حتى المجرمين، لا يمكن لهم ان ينحدروا الى هذا المستوى من الانحطاط، حينما يقتل الاطفال والنساء والشيوخ، فكيف يمكن له أن يدمر بلاده.
أعتقد أن الربيع العربي سيكون له نتائج مستقبلاً على المدى البعيد ايجابية على منطقة الشرق الاوسط ككل، لذلك نأمل خيرا ان شاء الله.
وتأثير الربيع على القضية الفلسطينية أعتقد أن هناك حالة من الشرذمة وعدم الالتفات الى القضية الفلسطينية ، فالقضية الفلسطينية هي قضية الأمة العربية والاسلامية، والأقضى ليس لي وحدي، فهي لكل المسلمين من اندودنيسيا الى المغرب الى تركيا، والأقصى لكل المسلمين وهذه مسؤولية المسلمين والعرب، وعندما أنظر كفلسطني لما يجري في الوطن العربي أستبشر خيراً.
من هنا كلي أمل أن المستقبل لنا والتاريخ قوة دفع طاهرة التاريخ، هناك حلول تمليها موازين القوى ومنطق التاريخ، ومنطق التاريخ ينحاز دائما الى الشعوب والحق. أما تركيا، فللتاريخ، اشكر لتركيا هذه المواقف النبيلة والتي تعيدنا الى الماضي البعيد الذي اتسم به هذا الشعب العظيم تركيا العظيم في الدفاع عن قضايا الامة العربية، والاسلامية، آمل من تركيا ان تقدم الكثير وانا اقولها وبصراحة، تركيا قدمت لنا اكثر من ما قدم لنا العرب، بصدق وامانة، وشكرا للشعب التركي حكومة وشعبا وقيادة. الشعب عظيم له تاريخ ودور تاريخي ينتظر. وتركيا لها دور تاريخي في الشرق الاوسط وفي المنطقة الاسلامية بالتحديد، واعتقد انها لن تتخلى عن هذا الدور بالمطلق.
news_share_descriptionsubscription_contact
