هكذا تحدث حفار القبور إلى جبران خليل جبران في نثريته "حفار القبور" عندما سأله جبران عن الموتى.
حفارّ القبور تلك المهنة الغامضة لكثير من بني البشر، حاولت "الأناضول" أن تعيش يومًا مع أحد العاملين فيها لتتعرف معه على أسرار هذه المهنة ومتاعبها.
نور محمد عبد الكريم، صاحب الــ 52 عامًا، يعمل مساعد تـُربى أي "حفار قبور"، في منطقة المجاورين، أحد أبسط المناطق الشعبية بالعاصمة المصرية القاهرة.
يستهل عبدالكريم حكايته مع الأناضول بتوضيح الفرق بين حفار القبور "التربي" ومساعده، قائلاً إن "التربي هو الشخص الذي لا يفتح القبر أو يقوم بدفن الموتى، هو صاحب العمل الذي يحصل على الأموال من الزبائن، ويأمر بعد ذلك مساعده بالعمل حيث يقوم بحفر الأرض وحمل الجثة ودفنها".
بدأ عبد الكريم عمله في المقابر بعد دراسته وحصوله على دبلوم فنى تجارى عام 1980 شعبة محاسبة (شهادة تعليم متوسط)، ثم عمل بعد ذلك في حفر القبور بعد وفاة أبيه الذي كان يقوم بنفس العمل.
وعن تفاصيل عمل حفار القبور، يقول: "مساعد التربى يبدأ عمله عندما يتم تبليغه بحالة الوفاة، فيقوم بإحضار عاملين معـه يقومان بإهالة الأتربة من على القبر ثم يرفعان المجاديل – هي الحجر الذي يغطي القبر - وينظفان المكان ويحفران لحدًا للمتوفي ثم يحملانه ويضعانه في اللحد، قبل أن يغلقا القبر بالمجاديل".
يرى عبد الكريم أن مهنة التربي تمنح المرء الكثير من العظات، فالتربي - حسب قوله - يرى نهاية البشر أمام عينيه يوميا.
وعن متاعب هذه المهنة، يشير إلى أن "كثيرًا من العاملين في هذا المجال إما مصابون بحساسية على الصدر، أو مصابون بالسل، كما أن العمال في هذه المهنة والذين لا يملكون محلًا ليس لديهم نقابة، فالنقابة تهتم فقط بأصحاب العمل وليس العمال أنفسهم".
وعن أسعار الدفن، يقول "الحكومة وضعت تسعيرة للدفن، لكن هذا الأمر لا يسير معنا لأن في بعض الأحيان يأتي إلينا أهل المتوفي ولا يملكون أموال الدفن، فيتم دفع مبالغ زهيدة تتراوح ما بين 20 و80 جنيهــًا، في حين يدفع أثرياء مبالغ أكبر لدفن ذويهم".
منذ صغره وهو يحلم أن يعيش حياة أفضل، فمنذ ميلاده في منطقة المقابر بالقاهرة، وهو يرى أن حياته لا تختلف كثيرًا عن حياة أطفال الشوارع، ولطالما تمنى أن يعيش حياة رغدة هنيئة، إلا أنه ظل باقيــًا في القبور حتى الآن يعيش بين الموتى ويخلد ذكراهم في ذاكرته عندما يضعهم بين يديه وينزل بهم تحت الأرض، بحسب عبدالكريم.
هو يحب مهنته التي تعلمها منذ زمن بعيد، لكنه لا يرى أنها المهنة التي يمكن أن ينقلها لأبنائه فهو يريد لأبنائه حياة أفضل من التي عاشها.
يقول عبد الكريم إن عمله كتربي جعله يحتك بكثير من المشاهير وإن كانوا موتى فمثلاً في المنطقة التي يعمل بها ومسؤول عنها توجد مقبرة الشاعر المصري صلاح جاهين، وكذلك مقبرة وزير الدفاع الراحل أحمد بدوي.
الخوف الذي ينتاب الكثيرين عند دخول المقابر أو عند الحديث عنها لا يؤثر على عبد الكريم الذي يرى أن الخوف من الموتى والموت خرافات، لأن الموتى – وفقــًا لعبد الكريم - أجساد بالية أما الروح فقد صعدت إلى بارئها، وطالما امتلأ قلب المرء بالإيمان لن يهاب المقابر.
أما الثورة كما يراها عبد الكريم، فهي لم تؤثر على حياتهم فهم مازالوا يعيشون في المقابر، لم تحدث لهم نقلة نوعية مثلاً، بل إنه يرى أن المعاناة زادت بعد ارتفاع الأسعار الذي لا يتوقف هذه الفترة، مما يؤثر عليهم سلبــًا فشراء المتطلبات الأساسية بات أمرًا مرهقــًا للغاية، على حد قوله.
وعن نظرة المجتمع لمهنته يقول "عندما كنت في اختبارات التجنيد الإجباري لدخول الجيش المصري، كان الجالسون بجانبي يتأففون مني ويحاولون الابتعاد عني لكوني أعمل تربي".
ويضيف "هناك بعض الأفراد يقدسون مهنة التربي وهناك آخرون لا يحبونها وهناك من يشعرون بالتشاؤم حيال التربي وهناك من يخافون منه".
ويختتم عبد الكريم حواره مع الأناضول بكلمة للمسؤولين في مصر: "أقول لكل واحد صاحب مال، مسؤول، عضو مجلس نواب، عضو مجلس شورى، إن نهايته عندنا والكفن ليس له جيوب ولا توجد فيه واسطة لأحد، فكل امرئ يأخذ جزاءه على قدر عمله".