عبد الرحمن فتحي
القاهرة - الأناضول
موجة من دعوات الحوار بين القوى السياسية الداخلية المتنازعة بتسميات مختلفة، هبت على المنطقة العربية، لم يكتب لأي منها حتى الآن نجاح كامل في تحقيق أهدافها.
فخلال الشهور القليلة الماضية بدأت في 5 دول (فلسطين ومصر وتونس والبحرين والمغرب)، حوارات تحت مسميات مختلفة بينها "الحوار الوطني" و"المصالحة الوطنية"، في حين تبرز إرهاصات الحوار في 3 دول أخرى (ليبيا والعراق وسوريا)، وتنتظر اليمن حوارًا موسعًا خلال الأسبوع الجاري، فيما يغيب الحوار عن دولتين (الكويت والأردن)، وتجمد في دولة أخرى (لبنان) رغم الأزمات السياسية.
ويرى مراقبون أن تعثر دعوات الحوار وعدم تحقيقها أهدافها يرجع إلى عدم توفر ثقافة التعايش بين أطراف الحوار، وغياب البيئة السياسية المناسبة للحوار، ووجود بيئة إقليمية ودولية ضاغطة لإفشال تلك الحوارات.
"الحوار الوطني" في مصر الذي دعت إليه الرئاسة ومر بجولات عدة، اتسم بمقاطعة الكتلة الأكبر في المعارضة، وهي جبهة الإنقاذ الوطني، فيما اختلف موقف قوى أخرى بين المشاركة في جولات ومقاطعة أخرى.
بينما تتجه أحزاب إلى إجراء حوار منفصل عن مؤسسة الرئاسة للتوافق حول مواقف موحدة يتم الضغط على مؤسسة الرئاسة بشأنها، حيث دعت جبهة الإنقاذ المعارضة أحزاب"مصر القوية" و"النور" و"الإصلاح والتنمية" وحزب "مصر" لما أسمته اجتماع المائدة المستديرة.
وفي ليبيا ظهرت بوادر الحوار؛ حيث اتفق حزب "العدالة والبناء" الإسلامي وتحالف "القوى الوطنية" الليبرالي على الدخول في حوار وطني مشترك للخروج من الأزمة الحالية التي تواجهها ليبيا في ظل الاهتمام بقانون العزل السياسي لرموز نظام العقيد الراحل معمر القذافي، وتعليق جلسات المؤتمر الوطني العام (البرلمان) إلى حين إشعار آخر.
وتتضمن مبادرة قدمها حزب "العدالة والبناء" للحوار دعم الحكومة الليبية والبرلمان لمعالجة ملفات الأمن والمصالحة الوطنية وتحقيق الاستقرار وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني.
كذلك الحال في العراق، حيث التقى رئيس الوزراء، نوري المالكي، الأسبوع الماضي ولأول مرة، منذ اندلاع الاحتجاجات ضده في ديسمبر/ كانون الأول الماضي بشيوخ عشائر الأنبار (غرب)، في محاولة لإعادة الأوضاع إلى طبيعتها في المحافظات التي تشهد اعتصامات وتظاهرات تطالب برحيله، والتمهيد لحوار وطني.
وذكر بيان لمكتب المالكي أنه قال للوفد العشائري: "من واجب الجميع الدفاع عن وحدة العراق وسيادته واستقراره وأمنه، والحفاظ على وحدة شعبه وتماسك نسيجه الاجتماعي"، فيما قال الوفد العشائري إنهم يتحركون بدافع الصلح بين الحكومـة والمعتصمين لتفويت الفرصة على مثيري الفتن الطائفية.
وينتظر اليمن إجراء مؤتمر شامل للحوار الوطني في الـ18 من هذا الشهر، مدعو له جميع الأطراف السياسية والفاعلة ومنظمات المجتمع المدني؛ لبحث جميع المشاكل في اليمن وأهمها استكمال تحقيق أهداف الثورة الشعبية التي أطاحت بالرئيس علي عبد الله صالح، وصياغة الدستور، والصراع في منطقة صعدة، ودعوات قوى جنوبية للانفصال.
ورغم تخصيص 40 مقعدًا من مقاعد الحوار للشباب المستقلين، يعترض قطاع كبير من الشباب الذي شارك في الثورة عن تجاهل مشاركتهم بالحوار، كما لا تزال مشكلة الانفلات الأمني وتوسع عمليات الاغتيال ضد ضباط الجيش معرقلة لمساعي الحوار.
ومن أهم المشاكل أمام مؤتمر الحوار الوطني أيضاً، القضية الجنوبية؛ حيث يرفض قسم كبير من قوى الحراك الجنوبي (قوى وحركات تدعو لانفصال الجنوب) الانضمام إلى الحوار، لاسيما الفصيل الذي يتزعمه علي سالم البيض نائب الرئيس اليمني السابق المقيم في المنفى (لبنان ويتنقل بين عدة دول).
وفي تونس، وبعد تشكيل علي العريض للحكومة الجديدة عقب حوار اكتنفه حالة استقطاب حادة على خلفية اغتيال أحد قيادات المعارضة التونسية، شكري بلعيد، أعلن العريض في حديث لوكالة الأنباء التونسية الرسمية مؤخرا أن "الحوار سينطلق في إطار شمولي بمشاركة الجميع، ودونما أجندة بعينها، أو أية استثناءات".
وشدد على ضرورة "تضافر جهود المؤسسات الدستورية للدولة والمنظمات الكبرى لإنجاح هذا الحوار".
وأعرب عن استعداده لدعم كل مبادرات الحوار، على أن يكون هدفها "التهدئة والتقليص من حدة التجاذبات السياسية، وتغليب الوحدة الوطنية والوفاق، والبحث عن تسويات للقضايا الخلافية"، وفق تعبيره.
وفي المغرب أطلقت الحكومة، الأربعاء الماضي، حورا جزئيا ركز على دور المجتمع المدني، في مبادرة هي الأولى من نوعها، تهدف إلى تمكين الجمعيات والمنظمات غير الحكومية من المساهمة في مراقبة وتقييم السياسات العامة، وكذلك منحها الحق في اقتراح قوانين على البرلمان، وتقديم العرائض الشعبية.
أما في البحرين فقد اختتمت مساء الأربعاء الماضي الجلسة السابعة من "حوار التوافق الوطني" بالتوافق على مسودة جدول أعمال، وبجدل مستمر بين الحكومة والمعارضة حول تمثيل الملك في الحوار.
كما شهدت الجلسة تبادل المشاركين اتهامات بالمسؤولية عن تعطيل الحوار، على خلفية إصرار المعارضة على طرح مسألة تمثيل الملك في الحوار، وتم التوافق على عقد الجلسة القادمة غدا الأحد .
ويغيب الحوار عن الكويت والأردن، رغم بروز الأزمات السياسية على ساحتها هي الأخرى، حيث تواجه الكويت أزمة بين قوى معارضة والأسرة الحاكمة على خلفية حل مجلس الأمة (البرلمان) وقانون الانتخاب.
كما يواجه الأردن صراعًا سياسيًا مكتومًا منذ مقاطعة الإخوان المسلمين لانتخابات مجلس النواب (البرلمان).
وتجمَّد في لبنان مؤخرًا الحوار الوطني الذي بدأ قبل سنوات؛ تخوفا من الدخول في أزمة سياسية مفتوحة في ظل عدم التوافق حول قانون الانتخاب وسلاح حزب الله.
وفي سوريا، تأتي دعوات الحوار بين نظام بشار الأسد وقوى المعارضة مدعومة بشكل كبير من قوى خارجية؛ حيث يدفع المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي إلى إجراء ذلك الحوار دون شروط، فيما يرفض الطرفان إجراءه دون تنفيذ شروط مسبقة.
وتشترط المعارضة رحيل الأسد قبل بدء الجوار، فيما يشترط الأخير إجراؤه في دمشق وعدم الرحيل.
وتعد فلسطين هي المحطة الأولى لدعوات الحوار في الوطن العربي، والتي جاءت عقب توقيع منظمة التحرير الفلسطينية لاتفاقية أوسلو للسلام مع إسرائيل في 13 سبتمبر/ أيلول 1993، وبروز الخلافات بينها وبين حركة حماس التي رفضت الاعتراف بشرعية دولة إسرائيل، والتفاوض معها، وكانت أولى جولاته في الخرطوم عام 1993، ومرت تلك الدعوات بمراحل مختلفة وصلت حاليا لما يعرف بحوار "المصالحة الوطنية"، إلا أنها لا تزال حتى اليوم دون تحقيق نتيجة حاسمة.
وتعليقًا على نتائج هذه الحوارات، قال جواد الحمد الخبير الإستراتيجي ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط في العاصمة الأردنية عمَّان، إن الحوارات الوطنية في الدول العربية "لا تصل إلى نتائج مرضية بسبب عدم تحقق شروطه ما يؤدي إلى فشلها وتعثرها".
وأضاف في حديثه لمراسل وكالة الأناضول للأنباء: "عادة لا تتوفر ثقافة التعايش وتقديم التنازل من الطرفين؛ وهو ما يؤدي إلى إشكالية تسود معها ثقافة الاستقواء وحب السيطرة"
واعتبر الأحمد عدم توفر بيئة سياسية مناسبة للحوار سببا ثانيا للتعثر، موضحا أنه "إما أن يكون أحد أطراف الموضوع لديه ضبابية في وضوح أسباب الحوار أو كلاهما، وأحيانا يتعامل أحد الطرفين بمكر، مستغلا عدم الوضوح الحاصل".
وأضاف: "البيئة الدولية والإقليمي سبب ثالث لفشل تلك الحوارات؛ حيث هناك ارتباطات بين أطراف في الداخل وأخرى في الخارج تشكل عامل ضغط تتحكم في قرارات الطرف ما يسمح بإفشال الحوار".
وأشار إلى أنه في ظل عدم تحقيق الحوار أهدافه فإن الخيار التالي والذي ترفضه بعض القوى يتطلب التوجه الى الشعب لتحقيق آماله وغاياته.
واختتم حديثه باعتبار فرض الطرف الأقوى سيطرته بقوة القانون أو السلاح هو الخيار الثالث، مشيرًا إلى أن ذلك قد يؤدي إلى إشكالات كبيرة.
news_share_descriptionsubscription_contact
