اسطنبول/ الأناضول
وفي ضوء ذلك، لم يكن أيضا غريبا على هؤلاء السوريين أن يجدوا في إسطنبول ضالتهم مع الخبز السوري الذي لطالما تحدثوا عنه في جلساتهم وأمثالهم، وافتقدوا رائحته وطعمه، سواء في وجباتهم أو في "سندويتشات" أبنائهم، فسرعان ما ظهر في المدينة أول مخبز سوري من نوعه.
ويوضح القائمون على مشروع المخبز بأن إنشاءه جاء "استجابة لدوافع الحنين إلى لقيمات الوطن ورائحة خيراته، وتعبيرا عن ارتباط السوريين بوطنهم عن طريق الخبز، وكأنه فرد عزيز من أبناء الأسرة الواحدة، بفقدانه تفتقد الحياة رونقها، وبوجوده تقوى الروابط بين أفراده، وأفراد المجتمع".
فمع افتتاح عدد من المطاعم الخاصة بالأطعمة السورية والمحبوبة من قبل بقية العرب في المدينة، ظهرت الحاجة بشكل أشد لهذا الخبز المناسب لهذه الأطعمة، حتى أن المغتربين من العرب والسوريين، والمقيمين في المدينة منذ سنوات، لم يخفوا فرحتهم بالالتقاء بالخبز، بعد أن كانت زيارات أقاربهم القليلة على مدار العام، تجلب لهم أرغفة تسد جزءا يسيرا من شوقهم وحنينهم.
مؤيد بيطار، ابن صاحب المخبز ومديره، وهو طالب جامعي من بلدة الزبداني، يرجع فكرة المخبز إلى ثلاثة أمور، وهي: "تقديم سلعة رئيسية للشعب السوري، والتواصل بين الشعبين التركي والسوري، وتعرف الأتراك على ثقافة السوريين، وثالثا تقديم منتج صحي للمواطنين الأتراك، يتمثل في خبز يقلل من البدانة".
ويلفت بيطار، في حديثه لمراسل الأناضول في إسطنبول، إلى وجود "إقبال كبير من قبل السوريين والاتراك على حد سواء على هذا النوع من الخبز"، لدرجة أن أحد السوريين روى له كيف استقبل أطفاله الخبز، بفرحة عامة إلى حد أنهم شعروا وكأنهم عادوا إلى بلادهم مجددا".
ويشرح أن أغلب تجهيزات ومعدات المخبز جاءت من سوريا وتم تركيبها في تركيا، فيما يتم الحصول على المواد الأولية اللازمة لإنتاجه من تركيا.
وعن إنتاج المخبز يوميا، يقول بيطار إنه "يترواح ما بين طن ونصف، إلى طنين، وهو ما يعادل إنتاج مخبز عادي في سوريا".
واعتبر بيطار أن "القوانين في تركيا كانت ميسرة وسهلة للمخبز، ولم تواجهنا أي معوقات أو صعوبات، بل تم التأقلم مع القوانين التركية، وهناك اهتمام كبير بالنظافة، وخط الإنتاج كله آلي لا تمسه الأيادي، لضمان وصول الخبز إلى المستهلك نظيفا صحيا.
"وبالتوازي، يضيف بيطار، لباس العمال موحد ونظيف"، حيث أن المخبز حريص على الظهور بهذا الشكل، وهو ما يعود بشكل إيجابي على العمل".
من ناحيته قال الصيدلاني حسام حميدان، المسؤول في المخبز عن الجودة والحسابات، "إن ارتباط السوريين بالرغيف السوري هو ارتباط بالوطن، وعندما قدم السوريون إلى تركيا لم يتأقلم البعض منهم مع الخبز المحلي، وهذا نبع من العادات والتقاليد لأن الخبز جزء من الحياة اليومية".
واستطرد قائلا إن "الخبز السوري يتعرض للحرارة من الأعلى والأسفل، وبالتالي فإن درجة النضج فيه تكون جيدة فيكون سهل الهضم، فيما الخبز التركي لم يعتد عليه السوريون من قبل، ما جعلهم أحيانا يتعرضون لعسر هضم".
وعن الرقابة على المخبز، أفاد حميدان أن "الدوائر الحكومية التركية المختصة تتابع إنتاجنا عن كثب، وتتأكد من حجم الرغيف وجودته، حيث إنه لديهم معايير معينة مطلوبة، أضفاناها للمعايير المطلوبة للخبز السوري، والتزمنا بها من المراحل الأولى للمشروع وأهمها النظافة والحرص على الجودة التامة".
وعن الإقبال الشعبي التركي، يوضح حميدان أنه "في البداية كان الطلب والإقبال على المخبز فقط من السوريين والعرب، أما الآن فبتنا نشاهد إقبالا من الأتراك، وجاءتنا طلبات منهم ليكون حجم الخبز بشكل معين والعدد أيضا، ليتمكنوا من شرائه بشكل يومي".
"الفكرة إذا استمرت بشكل صحيح سيكون هناك إقبال أكبر، فالجالية السورية والعربية موجودة هنا، وبعد عودة السوريين إلى بلدهم، سيواصل المخبز تقديم الخبز لهم بجانب الأتراك"، يضيف حميدان بلهجة واثقة.
من يتأمل هذه التجربة سيكون حتما لسان حاله: "رب ضارة نافعة"..فمن رحم الظروف الصعبة خرجت الفكرة إلى حيز التنفيذ، ونالت إقبالا كبيرا عليها قد يكون سببا في ديمومة المخبز، مع استفادته من مقاييس الجودة التركية العالية، وقد يفتح أيضا المجال لصناعات سورية أخرى تستفيد من هذه الظروف والمقاييس لتقديم منتجات أفضل.