إيمان عبد المنعم
القاهرة - الأناضول
"على التيار الإسلامي في مصر وتونس تبني مشروع إنقاذ وطن فوراً، وركن التوجهات الأيديولوجية على الرف، وفتح حوار مباشر مع كافة القوى السياسية"..
هذه هي خلاصة طريق النهضة الذي رسمه محمد العادل، أستاذ العلاقات الدولية ورئيس المعهد التركي العربي للدراسات الإستراتجية، للبلدين اللذين تصدرا الربيع العربي.
وفي حوار خاص مع وكالة الأناضول للأنباء أكد العادل أن "هذا هو الطريق الذي اتبعه حزب العدالة والتنمية التركي منذ 10 سنوات"، مضيفاً "ولذا فإن المشروع التركي هو الأقرب لتلك البلدان"، لكنه نصح القائمين على الأمر في مصر وتونس بـ"قراءة كافة التجارب دون الانبهار بها".
وأشار العادل إلى أن "استعادة مصر لمكانتها الإقليمية ستدفع نحو بناء شراكة مصرية تركية على كافة المستويات خلال العشرية القادمة تحقق التوازن في المنطقة وتحد من نفوذ إيران".
ورأى أن حل الأزمة السورية "يكمن في تشكيل حكومة منفى تسحب الشرعية من بشار الأسد".
وفيما يلي نص الحوار
- لماذا تصدر التيار الإسلامي المشهد في كل من تونس ومصر عقب ثورات الربيع العربي بتقديرك؟
لأنها كانت تيارات مهمشة تضطهدها الأنظمة السابقة، فضلاً عن كونها الأكثر تنظيماً بين باقي القوى الثورية والحزبية والسياسية، وشباب الثورة كان ثائرًا يريد التغيير لكنه لا يحمل مشروعًا، لذا تحركت القوى السياسية لاحتواء الفعل الثوري وترشيده.
- في الماضي كان التيارات الإسلامية تقدم نفسها كبديل للأنظمة الموجودة ولكن مع وصولها للحكم رأى البعض أنها لم تقدم مشروعًا واضحًا، لماذا؟
التيار الإسلامي الآن يعيش حالة من التخبط وغياب الرؤية، ولا أريد أن أقول غياب المشروع، فأي مشروع يحتاج لتفاصيل واضحة تنضج مع التجربة العملية ،كما يحتاج لرؤية واقعية تتضمن أولويات المرحلة التي تعيشها البلاد الآن في ظل مرحلة الثورة وما بعدها
ويجب على التيارات الإسلامية أن تقف وتسأل نفسها سؤالاً ملحا: كيف سنتعامل مع متطلبات المرحلة داخليا وخارجيا؟
خاصة وأن الخارج كان شريكا داعما للأنظمة الديكتاتورية ويخشي الإسلاميين، وليس بالأمر السهل أن يتقبلهم شريكا، فالغرب لن يمد يد حقيقية الآن للإسلاميين، وإنما ينتظر ما الذي سيقدمونه هم.
- ولكن في مصر كان التيار الإسلامي يقود المعارضة ويعرف أين الخلل الذي طالما انتقد النظام السابق بشأنه؟
الحالة المصرية من السهل أن تتقدم لاعتبارات عدة؛ أولا عراقة مصر، كما أن الشعب المصري أكثر محافظة ولا يتفاعل سريعا مع التغيرات الأيدولوجية، بجانب وجود مؤسسة الأزهر في الحياة العامة والسياسية والذي حمى الكيان الديني للدولة، بعكس المعارضة في تونس كانت مهمشة تماما ولم يتح لها المشاركة السياسية، ولم يكن لها تأثير اقتصادي بينما كانت التيارات اليسارية والعلمانية مشاركة للنظام السابق في عزل الإسلاميين وقيادة مؤسسات الدولة، وهذا اكبر خطر يواجه حركة النهضة الإسلامية التي تقود الائتلاف الحاكم في تونس الآن.
- ولكن قيادات النهضة قدمت أكثر الرؤى نضجاً للمشروع الإسلامي مقارنة بنظرائه في دول الربيع العربي، كما اتخذوا خطوات أكثر توافقية في تونس؟
هذا صحيح لأن كثير من قيادات النهضة تشبعوا بالثقافة الديمقراطية خلال 20-30 عاما التي قضوها في المنفى بدول غربية، اكتشفوه خلالها وقراءوا تجاربه، كما شارك كوادر تونسية عدة في المؤسسات الدولية مما منحها أدوات صياغة رؤية جديدة وسهل عليها الحوار مع القوى السياسية بالداخل
وكل التيارات الإسلامية في مصر وتونس بحاجة لتحديد مسار الثورة وبناء الدولة وفق رؤية هذا المسار
- منهج التيار الإسلامي هو التدرج والإصلاح، فهل يتناسب ذلك والحالة الثورية بدول الربيع العربي؟
لا.. فالقيادات الإسلامية التي تولت الحكم عليها الآن تحديد مطالب الثورة والبناء عليها والانطلاق نحو مرحلة بناء الدولة ولكن من منطلقات فكر الثورة، كما أن عليها الآن تشكيل لجان حماية الثورة كتلك التي أقامتها تونس وأن يكون عمر تلك اللجان من 5-10 سنوات، تراقب خلالها مسار الثورة، وتقدم حالة من التخطيط والتصحيح للمسار حتى لا تُسرق الثورات، وتحويل الحالة الثورية إلى تجربة حقيقية تتراكم فيها الخبرات.
- المشروع التركي والماليزي والإندونيسي، أيها يمكن النسج على منواله في مصر وتونس؟
في البداية يجب على القادة العرب قراءة كافة التجارب والاستفادة منها دون انبهار بشكل مبالغ فيه، وأرى أن التجربة التركية هي أقرب التجارب للوطن العربي ويمكن الاستفادة منها، فقد كان الجميع ينطوي تحت الخلافة العثمانية، كما أنها الأقرب جغرافيا وعلى مستوى التقاليد والأعراف.
بالإضافة إلى أن التجربة التركية حققت تقدم كبير على المستويات التشريعية والتنمية والعدالة الاجتماعية، ورفعت سقف الحريات، وهو أمر من الممكن أن يتحقق بسهولة في دول الربيع العربي، لأن الثورات تختصر الطريق أمام مستويات البنية الاقتصادية.
- ما الذي يميز التجربة التركية أيضا؟
ما قام به حزب العدالة والتنمية قبل عشر سنوات هو أن وضع حساباته الأيدلوجية على الرف وهذا خيار مهم جداً، لأنه نحى الصراعات الأيدلوجية من طريق النهضة.
كما ان اردوغان اعاد الثقة للمواطن التركي وكذلك للدولة التركية على المستوي الخارجي
وكل من مصر وتونس الان بحاجة للاستفادة من تلك التجارب كما انهما بحاجة اكبر الي مشروع "انقاذ الوطن" ضد كافة المشكلات الداخلية والخارجية بعيدا عن الصراع الايدلوجي
كما ان تشكيل رؤية يستوجب تحديد الاولويات وعلي القيادات في مصر وتونس تحديد تلك الاولويات والبعد عن الحسابات الايدلوجية ولو لمدة 3 سنوات ،وكذلك التفاعل مع المجتمع المدني
- هل ترى أن التيارات الإسلامية متعجلة لتحقيق "التمكين"؟
الحقيقة نعم.. فهناك حالة من التعجل على الرغم من ان عملية التمكين حاضرة بالفعل ولكن تواجهها بعض المشكلات، وهذا التعجل لا يخدم المرحلة ولا يخدم المشروع الإسلامي.
فالتيارات الإسلامية مطالبة الآن بإعلاء وطنيتها قبل حساباتها الأيديولوجية ولو تعارضت حسابات الوطن مع الأيديولوجية فلابد من إعلاء مصلحة الوطن.
- كيف أثرت ثورات الربيع العربي على العلاقات العربية التركية؟
الحقيقة أن تركيا قبل 2002 قامت بمراجعات لمسار الدولة التركية وعلاقتها مع العرب واستمرت تلك المراجعات 3 سنوات، وكان ظهور حزب العدالة والتنمية نواة لهذه المراجعة، والتي خلصت إلى أن المطالبة الدائمة بعضوية الاتحاد الأوربي أخذت وقتًا طويلاً وعلينا الاتجاه والانفتاح شرقًا.
ومنذ ذلك الحين بدأت مرحلة المصالحة مع المحيط العربي والإسلامي خاصة مع سوريا ومصر، وعلى الرغم من قناعة تركيا رفض التعامل مع الديكتاتوريين إلا أن بعدها الإستراتيجي حقق نتائج ملموسة، ثم جاءت ثورات الربيع العربي وسرعان ما انحازت لها تركيا، لذلك فثورات الربيع العربي جعلت المستقبل مشرقًا بين العلاقة العربية التركية.
- ماذا تقصد بالمستقبل المشرق؟
أقصد أن مصر لو استطاعت خلال الفترة القادمة ان تعود لدورها الاقليمي سيكون ذلك مقدمة لتحالف استراتجيي تركي عربي ، واقصد بالتحالف ان يكون علي كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية .
- ولكن مثل هذا التحالف قد يغير من موازين القوي في العالم فهل سيرضي عنه الغرب؟
أعتقد أن الغرب سيغض الطرف عنه لأنه سيحقق توازنا مهما جدا في المنطقة، فايران بعد ان سلمتها امريكا العراق اصبحت ذات نفوذ قوي، وهي تحرك نفوذها في لبنان وسوريا وقتما تشاء.
والتحالف بين مصر وتركيا سيعيد التوازن للمنطقة وسيلقي دعما من الخليج والعرب وسيكون له اثره علي القضية الفلسطينية
- ومتى تتوقع أن يبرز هذا التحالف؟
خلال العشرية المقبلة، وهو مشروع حقيقي وطموح مرتهن بوضع مصر
- هذا التحالف سيمثل خطرا على إسرائيل؟
في حينها لن يكون امام اسرائيل الا خيارا واحد وهو القبول بالسلام وحل الدولتين
- إلى أين تتجه سوريا في رأيك؟
الحقيقة ان الربيع العربي يعيش حالة من الترهل الان بسبب المسألة السورية وما يحدث بها هو نتاج تعثر الحالتين المصرية والتونسية
واعتقد ان كل من اسرائيل وامريكا فوجئ بالربيع العربي وادركوا انه اذا نجحت الثورة في سوريا فان ذلك سيف العزلة علي اسرائيل، خاصة وان الاسد وابنه لم يطلقوا رصاصة واحدة علي اسرائيل منذ 40 عاما، ومن هنا حاولوا فرملة قطار الربيع العربي
- وما هو الحل الذي تراه لتلك الأزمة التي يدفع ثمنها الأبرياء؟
الحل يكمن في تشكيل حكومة المنفي من قبل كل قوي المعارضة السورية في الخارج.
وان تتحرك كل من مصر وتركيا والاطراف الفاعلة في القضية بدعم تلك الحكومة وتسوقها سياسيا أمام المجتمع الدولي لتحصل علي الشرعية.
وهذا سيكون حلا سياسيا لسحب الثقة من بشار لأن الحل العسكري لن يكون مجدي في سوريا
وأرى ان الدول العربية والاسلامية جميعا عليها دعم هذا الحل لإنقاذ مسار قطار الربيع العربي
- هناك مخاوف الان من تقسيم سوريا وكذلك انتشار الجهادين بها فكيف يمكن التعامل مع تلك المخاوف؟
هذه ادعاءات يطلقها بشار الاسد لتخويف اسرائيل، مما يمحنه فرصة للبقاء.
والحقيقة أن عدد الجهادين الذين دخلوا سوريا لا يتجاوز العشرات ولا يمثلوا ما يستحق التخوف.
news_share_descriptionsubscription_contact
