هاجر الدسوقي
القاهرة - الأناضول
المائة يوم الأولى في عهد الرئيس المصري السابق حسنى مبارك، والمائة يوم الأولى في عهد الرئيس الحالي محمد مرسي التي تنتهي يوم الاثنين المقبل.
مقارنة قد تكون ظالمة للأخير، لكنها بحسب متابعين للشأن المصري، كاشفة عن ملامح أدائه في الفترة المقبلة.
فالأول استهل أولى فتراته في القصر الرئاسي ببداية "هادئة"، و"تصالحية" مع مختلف التيارات السياسية، لكنها كانت بداية "احتوائية خادعة" من رئيس "لم تكن لديه نية حقيقية للإصلاح"، فانتهى الحال بالمصريين إلى 30 عامًا من المعاناة والفساد والاستبداد، بحسب المصادر نفسها.
أما الثاني فقوبل بـ"مائة يوم عسرة" مليئة بالمشاكل والعقبات في بداية فترته الرئاسية الأولى، لكنه سعى للإصلاح الفعلي بخطى عملية هادئة واحتواء فعلي للمعارضة؛ ما يبشر بنهاية تختلف عن نهاية مبارك؛ حسبما رأى هؤلاء المتابعون.
يقول الكاتب المصري جلال أمين في كتابه (مصر والمصريون في عهد مبارك) عن أول أيام حكم مبارك الذي دخل القصر الرئاسي في 14 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1981: "العام الأول من حكم مبارك كان يتضمن آمالاً عريضة بأن الرئيس الجديد سوف يقوم بتنفيذ برنامج أصيل للإصلاح السياسي، والاقتصادي، ويحقق في نفس الوقت الاستقرار للبلاد بعد فترة من القلاقل تصاعدت ذروتها في مشهد مقتل أنور السادات في عام 1981".
ويستطرد أمين: "الآمال التي كانت معلقة على مبارك انهارت، وبعد فترة قصيرة من توليه أصبحت الصورة ضبابية وبدأ الناس يفقدون الأمل بتحقيق أي إصلاح سياسي، أو اقتصادي، على يد خليفة (الرئيس الراحل محمد أنور) السادات".
وشهدت الأيام الأولى لمبارك تصريحات من شأنها طمأنة المصريين من الحاكم الجديد مثل "الكفن مالوش (ليس فيه) جيوب"، في وعد غير مباشر بالمحافظة على أموال الشعب وممتلكاته. كما تعهد للشعب المصري في أول خطاب له أمام الاجتماع المشترك لمجلسي الشعب (الغرفة الأولى للبرلمان المصري) والشورى (الغرفة الثانية للبرلمان المصري) عام 1981، قائلاً: "لن أقطع على نفسى عهدًا لا أستطيع تنفيذه، ولن أخفى الحقيقة عن الشعب، ولن أتهاون مع الفساد والفوضى وانتهاك القانون".
وكان أيضاً من أبرز ما شهدته الأيام الأولى من فترة حكم مبارك تأكيده على استمرار سياسة الانفتاح الاقتصادي، وعلى أن مصر ستعتمد في سياستها الخارجية على عدم معاداة أحد، ومد اليد لكل من يمد يده إليها.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 1981، أفرج مبارك عن 31 من المعارضين الذين سُجنوا في عهد السادات، على أن يفرج عن بقية المعتقلين إذا ما ثبت عدم إدانتهم في أية جرائم.
وبرغم هذه البداية المطمئنة إلى حد ما في بداية عهد مبارك، فإن السنوات التالية من حكمه شهدت، بحسب المراقبين - إقصاءً تدريجيًا للمعارضة، وتصاعدًا في معدلات الفساد والاستبداد والتي وصلت لذروتها في السنوات العشر الأخيرة من عهده ليواجه في يناير 2011 بثورة شعبية أجبرته على التنحي عن الحكم في 11 فبراير/ شباط 2011.
على الجانب الآخر، شهدت المائة يوم الأولى من حكم مرسي موجة عارمة من المظاهرات والاحتجاجات العامة والفئوية في مختلف أنحاء الجمهورية.
كما تصاعدت الكثير من الأزمات بينها: الانقطاع المتكرر للكهرباء والعجز في السولار وأسطوانات الغاز، وهي الأزمات التي اعتبرها البعض "مفتعلة" من جانب بعض قوى النظام السابق التي لا زالت متغلغلة في كثير من مفاصل الدولة.
وفي ظل هذه الأجواء "العسرة" رصد بعض المراقبين إنجازات لمرسي خلال المائة يوم الأولى، من بينها: إنشاء ديوان للمظالم يعمل على حل مشاكل المواطنين، وتشكيل لجنة تقصي حقائق بشأن قتل المتظاهرين خلال أحداث ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، والتي قررت مؤخرًا إجراء محاكمة جديدة لمبارك ووزير داخليته حبيب العادلي في وقائع قتل المتظاهرين خلال الثورة.
كما أصدر مرسي قانوناً يمنع الحبس الاحتياطي في جرائم النشر، وشكل فريقاً رئاسياً يضم عددًا من المساعدين والمستشارين بينهم مسيحيون ونساء ورجال أعمال وأكاديميون وسياسيون.
وفي أغسطس الماضي، أعاد مرسي تشكيل المجلس العسكري الذي كان يتولى إدارة البلاد منذ تنحي مبارك، وأجرى تعديلاً فيما يُعرف بـ"الإعلان الدستوري المكمل" بما يقلص صلاحيات هذا المجلس. كما أجرى تغييرات في القيادات العسكرية شملت: إحالة وزير الدفاع السابق المشير محمد حسين طنطاوي، والفريق سامي عنان رئيس الأركان، للتقاعد.
ورغم عدم تحقق كل الوعود التي قطعها مرسي على نفسه خلال المائة يوم من حكمه بالدرجة التي تمناها المصريون، كما أشار تقرير حكومي مؤخرًا، إلا أن هذه الفترة بحسب مراقبين، تبشر بنهاية للرئيس الجديد أكثر إشراقًا تختلف عن نهاية مبارك.
وبشأن المقارنة بين الفترة الأولى من حكم مرسي ومبارك، قال قاسم عبده قاسم، المؤرخ المصري ورئيس قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة الزقازيق المصرية: "المائة يوم الأولى لمبارك اتسمت بـ"شيء من المصالحة" مع معظم الرموز السياسية في مصر، لكنه وصف الأمر بـ"إجراءات لا تُنبئ عن أي نية للإصلاح السياسي، وجاءت فقط على سبيل الخداع الذي استمر لمدة 30 عاماً".
واعتبر قاسم في تصريحات خاصة لوكالة الأناضول للأنباء أن الفرق الواضح بين المائة يوم الأولى لمبارك ولمرسي هو أن "مبارك أحكم السيطرة على مفاصل الدولة من خلال تسكينه لمخاوف المصريين في الأيام الأولى خصوصًا بعد مقتل السادات فاطمأن له المصريون، لكن في عهد مرسي حاول النظام الجديد الإصلاح الفعلي بخطى هادئة ومساعٍ فعلية نحو الانتقال من الحكم العسكري للحكم المدني".
وأضاف قاسم: "في بداية عهد مبارك لم تكن هناك اعتراضات على قرارته، كما حدث مع مرسي خلال الأشهر الثلاثة الماضية" خاصة من جانب من أسماهم بـ"فلول النظام السابق"، ومن قبل "آخرين لم يقدروا أن الرجل تسلم بلدًا منهكًا ويعاني من الفساد في كافة أوصاله".
من جانبه، قال عاصم الدسوقي، العميد السابق لكلية الآداب بجامعة حلوان المصرية، إن "المائة يوم الأولى من حكم مبارك كانت هادئة"، مضيفاً أن "المصريين اطمأنوا لمبارك في هذا الحين خصوصًا أنه لم تصدر عنه أي أمور استفزت مشاعر الناس وإنما شعروا بأنه يريد تحقيق التوازن والعدل ورأوا فيه صمام الأمل لكنهم صُدموا فيه في السنوات التي تلت ذلك".
ولفت الدسوقي إلى أن "العكس حدث مع مرسي حيث كانت البداية معه سخط على أدائه واحتجاج على قراراته من عدة فئات، وتأكيد بعض الجماعات السياسية بأن الثورة مستمرة ولم تنته بتولي مرسي".
وأشار في هذه الصدد إلى أن مرسي "واجه تلك الموجة الغاضبة بجملة من التغييرات بدأت بالإطاحة بالمشير محمد حسين طنطاوي، وزير الدفاع، ونائبه سامي عنان وتغيير حركة المحافظين ورؤساء الصحف حتى يصبح لديه من يسانده في مهمته ويستطيع تنفيذ برنامجه".
ورأى الدسوقي أنه "بالرغم من عدم القدرة على التنبؤ بنهاية فترة حكم مرسي، لكن احتواءه لصفوف المعارضة بشكل فعلي وليس صوريًا كما فعل مبارك والخروج من دائرة مناشدة المواطنين وتسكينهم بالعبارات الرنانة يبشر بنهاية تختلف عن نهاية مبارك".
علي بركات، المؤرخ المصري والعميد الأسبق لكلية الآداب بجامعة المنصورة المصرية، رأى من جهته أن "المصريين قدروا مبارك في الفترة الأولى من حكمه لتوليه البلاد عقب أحداث دامية، تمثلت في اغتيال السادات، لذلك لم تكن هناك حاجة للاحتجاج بقدر ما كان المصريون يأملون في عهد جديد يشعرون فيه بالأمان".
وأوضح بركات الفارق بين الفترتين، قائلاً: "مرسي جاء بناء على تحرك شعبي أسقط نظام الحكم، وبالتالي كان هناك تطلع في الشارع المصري لنظام حكم جديد يأتي بإرادة المصريين وليس بناءً على واقع دامٍ كما حدث بعد اغتيال السادات".
وأضاف: "الظرف التاريخي يفسر سر بقاء نسبة كبيرة من المصريين غير راضية عن أداء مرسي، حيث إنهم رضوا ببداية مبارك الهادئة لكن النتيجة كانت مأساوية، بينما بدأت أول أيام مرسي بعثرات متوالية، من مظاهرات واحتجاجات، وهو ما قد تكون نتائجها مختلفة وأكثر إيجابية بعد فترة من الزمن".
news_share_descriptionsubscription_contact
