مصطفى حبوش- علا عطاالله
تصوير: مصطفى حسونة
فيديو: متين كايا
غزة - الأناضول
ككنزٍ ثمين عثرت عليه بعد عناء رحلة بحث لم تتوقف في أكوام الأثاث القديم؛ ضمت "أم خالد عاشور" "بابور الكاز" إليها، وبفرحٍ أخذت تنفض ما علق به من غبار تراكم بعد أعوامٍ من هجره.
في العقد الرابع من عمرها، وأم لخمسة صغار يصرخ أولهم بأنه يريد كوب الحليب الساخن، والثاني يطلب شايا، فيما البقية تنتظر بشغف إعداد مائدة الإفطار، وهكذا وجدت "أم خالد" في موقد الكيروسين، أو "بابور الكاز" كما يطلق عليه أهل غزة، نجدة لها من العملية العسيرة للبحث عن بديل لاسطوانة الغاز التي أعلنت عن نفاد آخر قطراتها.
و"بابور الكاز"، هو موقد مصنوع من النحاس، ويعمل على وقود "الكيروسين"، كان يستعمله الفلسطينيون قديما قبل انتشار المواقد الحديثة التي تعمل بـ"الغاز".
رحلة بحث "أم خالد" عن البابور، لجأ إليها عشرات الأهالي في قطاع غزة للتغلب على مشكلة نقص غاز الطهي، حيث وجدوا في الأدوات القديمة وبدائل الغاز حلا مؤقتا للمعاناة اليومية.
وكانت إسرائيل قد قلصت توريد غاز الطهي إلى قطاع غزة منذ نحو شهر، الأمر الذي تسبب بأزمة أعادت السكان إلى الاصطفاف في طوابير الانتظار أمام محطات تعبئة الغاز .
ودفعت هذه الأزمة -القديمة الجديدة - سكان القطاع إلى استخدام الطرق البدائية في إعداد طعامهم وفي مقدمتها "بابور الكاز".
ولا تكاد أم خالد في حديثها لوكالة الأناضول تُصدق أن بابور الكاز يحل ضيفا على العائلات في غزة في عصر التكنولوجيا وبابتسامة رغم الأسى تلون صوتها تمضي قائلة : "اليوم كل شيء يعمل باللمس، الحياة تسير نحو مزيد من التقدم، ونحن نرجع للوراء عقودا"
غير أنها لا تلبث أن تحمد الله على نعمة البابور "على الأقل مكننّي من إعداد الطعام لصغاري، فموزع الغاز أخبرنا أنه ما من أمل قريب لتعبئة الأنابيب".
وبعد ساعات من البحث في أروقة المنزل وجد الخمسيني "محمود فرج" البابور المعزول منذ سنوات، وكان خروج النار الحمراء من البابور بعد تحريكه وفحصه كفيلة بإطلاقه لصيحات التكبير .
واعترف فرج في حديثه لـ"الأناضول" أنه "ما من حل أمام أهالي غزة سوى اللجوء إلى أبسط الوسائل لتسيير أمورهم".
وفي أسواق غزة الشعبية يفتح التجار أبواب محلاتهم الصغيرة أمام تصليح "بوابير الكاز"، وزاد من هذا الإقبال عليها الانقطاع الشبه دائم للتيار الكهربائي الذي يمنع أهالي القطاع من استخدام الأقراص الحرارية الكهربائية لإعداد الطعام.
وبلمح البصر تعود "أم سامي" (42 عاماً) إلى الزمن الماضي إذ تلتقط هي وصغارها أعواد القش وأوراق الشجر لإشعال فرن الطين المركون في إحدى زوايا حديقة المنزل .
ولجأت أم سامي إلى فرن الطين بعد أن نفد غاز الطهي وباتت تعبئة الأسطوانات الفارغة بحسب قولها "أشبه بالمعجزة".
الطهي على نار الحطب والخبز في أفران الطين والطبخ على البابور كلها لوحات من المعاناة يرى الغزي السبعيني "أبو أنس مهنا" أنها "يجب أن تحرك أصحاب الضمير في العالم وأن ويسارعوا لإنقاذ غزة وصغارها".
وفي حديث خاص لمراسلة الأناضول قال حاتم عويضة وكيل وزارة الاقتصاد في الحكومة المقالة بقطاع غزة إن "أزمة غاز الطهي لا زالت مستمرة وأن معاناة العائلات أمام هذا الانقطاع تكبر وتتسع".
ولفت إلى أن "الإغلاق الإسرائيلي المستمر لمعبر كرم أبو سالم خلال الشهر الماضي ساهم في خلق هذه الأزمة"، متمنيا في ذات الوقت "استمرار ضخ الغاز وبشكل يومي للقطاع من أجل إنهاء المعاناة المترتبة على نقص الغاز" .
ويحتاج القطاع وفق عويضة إلى "300 طن من الغاز يوميا لتلبية احتياجات المواطنين"، حيث وضح الوزير الفلسطيني أن "الاحتلال يسمح بإدخال 170 طنا يوميا من الغاز، لكن مع الإغلاق المتكرر لمعبر كرم أبو سالم فإن الأزمة تتعمق بشكل كبير، ونأمل في أن تنتهي قريبا".
وفرضت إسرائيل حصارًا اقتصاديًّا على قطاع غزة عقب أسر حركة حماس للجندي الإسرائيلي، جلعاد شاليط، بالقرب من حدود القطاع في يونيو/ حزيران 2006، وعززت هذا الحصار في يونيو/ حزيران 2007 عقب سيطرة حركة حماس على القطاع.
وأدى الحصار مع تكرار الأعمال العسكرية الإسرائيلية على القطاع إلى معاناة يومية لأهالي غزة بسبب النقص الحاد في الأغذية والمستلزمات الطبية وأدوات ومواد البناء والكهرباء وموارد الطاقة.