ياسر البنا
غزة-الأناضول:
رغم انتقاد صديقه لنوع المياه المعدنية الذي اختاره من بين "ماركات" عديدة في أحد متاجر غزة الشهيرة، أصرّ نضال عيد، على قراره، قائلاً: "هذا النوع الوحيد المنتج داخل غزة (أرجان أروى).. يجب أن ندعم المنتج الوطني".
لكن على الجانب الآخر في ذات المتجر، حاول "الموظف" عبثًا إقناع سيدة بوجود منتجات تنظيف أفضل من الصابون الإسرائيلي "نكا شيفع"، الذي نفد من المتجر، لكنها أصرّت على اختياره، واصفة إياه بأنه "عالي الجودة"، و"يلائم نوعية المياه المالحة في غزة والتي تستعصي على الأنواع الأخرى من الصابون".
هذان المشهدان المتناقضان، يوضحان حالة تعاطي الفلسطينيين مع البضائع الإسرائيلية، منذ أن أجبر الاحتلال الإسرائيلي العديد من الفلسطينيين على شراء منتجات "عدوهم"، في عام 1967 لعدم وجود البديل، حتى لو كان ثمنه مرتفعًا.
إلا أنه في أعقاب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، علت الأصوات الداعية لمقاطعة البضائع الإسرائيلية بشكل كامل، ولاقت هذه الدعوات قبولاً كبيرًا، لكن إشكاليات كبيرة وقفت تجاه نجاحها، بسبب فقدان البديل أو رداءته.
وعن أسباب استمرار تواجد المنتجات الإسرائيلية في أسواق غزة، أوضح وزير الاقتصاد الوطني في حكومة القطاع، علاء الدين الرفاتي، لوكالة "الأناضول" للأنباء أن السلطات في غزة لا تستطيع منع إدخال كل البضائع الإسرائيلية بسبب الحصار، وعدم وجود بديل للكثير منها.
لكن الرفاتي لفت إلى أن حكومته اتخذت الكثير من القرارات لدعم المنتج المحلي، ومحاربة البضائع الإسرائيلية، وقال "اتخذنا أكثر من قرار، بمنع إدخال أي بضائع إسرائيلية لها بديل وطني، وهناك تشديد كبير في هذا الأمر".
ومن البضائع الإسرائيلية التي تم منعها من دخول غزة "المشروبات الغازية، والعصائر، والبسكويت، والشيبسي (رقائق البطاطس)، وبعض المنتجات الزراعية كالبطيخ، والشمام"، بحسب الرفاتي.
وأقرّ الوزير الفلسطيني بأن "جودة المنتج الإسرائيلي عالية فعلا"، لكن هناك أيضا منتجات وطنية جودتها عالية حيث تراقب الوزارة جودة مواصفات البضائع وتدعو للإقبال عليها؛ لأن رواجها سيؤدي إلى زيادة جودتها بشكل تلقائي" بحد قوله.
أما في الضفة الغربية، فقد ذكر عمر قبها، مدير دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، أن حكومته لا "تكافح البضائع الإسرائيلية لكنها تحارب بضائع المستوطنات".
وقال قبها لـ"الأناضول": "نُجبر التجار على وضع توضيح اللغة العربية حول منشأ السلعة، للتمييز بين البضائع التي ينتجها الفلسطينيون وبضائع المستوطنات".
ولفت إلى أن حكومته تدعم المنتج المحلي بأشكال مباشرة وغير مباشرة، كتوفير فحوصات مجانية للمصانع لرفع جودتها وقدرتها التنافسية، وتدريب العاملين فيها، لكن القرار في النهاية، يكون بيد المستهلك، حيث إن الضفة تعتمد اقتصاد السوق، والذي تكون فيه الغلبة للبضائع الجيدة، وتبور فيها "الرديئة".
وبحسب قبها، فإن وزارته تبذل جهودًا كبيرة في مجال حماية بعض الصناعات العريقة كصناعة "الأحذية" والمعروفة بجودتها العالية.
ولفت قبها إلى أن التركيز على محاربة بضائع المستوطنات، مهمٌ للغاية، حيث إن هناك نحو1200 منشأة صناعية في المستوطنات، يعتمد عليها السوق الإسرائيلي بشكل كبير.
ورأى خليل اليازجي مالك متجر "مترو مول" الشهير وسط مدينة غزة أن سبب استمرار تواجد البضائع الإسرائيلية في الضفة وغزة، هو "جودتها العالية".
وقال لـ"الأناضول": "أسعار بعض المنتجات الإسرائيلية ليست باهظة، قياسًا بالمنتجات الوطنية، وعليه قد يفضل المستهلك الأولى"، مشيرًا إلى أن المنتجات الإسرائيلية التي يقبل عليها المستهلكون بكثرة، تتمثل في الألبان والمعلبات والمنظفات".
وبحسب اليازجي، فإن بعض المستهلكين يسألون عن البضائع الإسرائيلية حينما تنفد من المتجر، ويرفض بعضهم شراء المنتج المحلي البديل.
لكن المحلل الاقتصادي إبراهيم أبو هنطش، قال إن "الاعتقاد السائد بتفوق المنتجات الإسرائيلية عن المحلية، ليس سوى مغالطة كبيرة".
وتابع: "مَنْ زار المصانع الإسرائيلية يؤكد أنها ليست بذات الصورة التي يعتقدها المستهلكون، فهناك تشابه كبير بينها وبين المصانع الفلسطينية في مجال الجودة"، مشيرًا إلى أن المنتج الفلسطيني يخضع لنظام رقابة متشدد من قبل أجهزة السلطة ووزارة الاقتصاد والصحة.
وحول تفسيره لاستمرار تواجد البضائع الإسرائيلية في الأسواق الفلسطينية، قال أبو هنطش:
"هناك أسباب متعلقة بقلة الوعي، والقدرة التنافسية العالية للمصانع الإسرائيلية، بالإضافة إلى تفضيل بائعي التجزئة للمنتج الإسرائيلي بسبب استمرارية تدفقه على مدار العام, عكس المنتج الفلسطيني المستهدف من قبل إسرائيل".
وأوضح أن قيمة البضائع الإسرائيلية المستوردة من إسرائيل تبلغ 3 مليارات دولار سنويا, وهو مبلغ كبير يمكن أن يشكل دعمًا للاقتصاد الوطني الفلسطيني.
من جهته، أشار فتحي السروجي الباحث المتخصص في الاقتصاد الزراعي إلى أن المنتجات الفلسطينية في قطاع غزة تواجه منافسة شديدة من قبل نظيرتها الإسرائيلية خصوصاً بعد زيادة السلطات الإسرائيلية لعدد السلع المسموح بإدخالها إلى القطاع أخيرا.
وأرجع السروجي ضعف منافسة منتجات المصانع في قطاع غزة لنظيرتها الإسرائيلية، إلى أن العشرات من المصانع والشركات المحلية لم تستعد عافيتها بعد من الحصار وخسائر الحرب الأخيرة.
يا/إم/حم