إيمان عبد المنعم وهاجر الدسوقي
القاهرة- الأناضول
للمرة الثانية تتراجع مؤسسة الرئاسة المصرية عن قرارتها في أمور تتعلق بالسلطة القضائية وهو ما اعتبره البعض "إخفاقا" من جانب المؤسسة حديثة العهد بالحكم، بينما فسره آخرون بأنه "مؤشر إيجابي" علي مبدأ الفصل بين السلطات وعلى أن مصر تسير في الاتجاه الصحيح نحو تكوين دولة مؤسسات حقيقية، خلافا لما كان سائدا في العقود السابقة.
وسبق أن أصدر الرئيس المصري محمد مرسي بعد أيام قليلة من توليه الحكم نهاية يونيو/حزيران الماضي قرارا بعودة مجلس الشعب (غرفة البرلمان الأولى) المنحل بحكم المحكمة الدستورية العليا، ما تسبب في أزمة بين مؤسسة الرئاسة والمحكمة الدستورية انتهت بتراجع الرئاسة عن موقفها.
وقبل أيام ثارت أزمة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود حين أعلنت مؤسسة الرئاسة الخميس الماضي عن تعيينه سفيرا في الفاتيكان في ما بدا أنه إقصاء له من منصبه، إلا أن الأخير أعلن رفضه للقرار وتمسكه ببقائه في منصبه، وهو ما أسفر في النهاية عن قبول الرئاسة لاستمراره.
المستشار زغلول البلشي مساعد وزير العدل ورئيس محكمة الاستئناف رأى أن "تراجع مؤسسة الرئاسة لا يعد عيبا لكن يحتاج إلي وقفة".
وأوضح في تصريحات خاصة لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء إلى أن "الرئيس بحاجة لإعادة النظر في بعض من مستشاريه، واختيار من هم أكثر كفاءه وإخلاص للرئيس".
ولفت رئيس محكمة الاستئناف إلى أن "مؤسسة الرئاسة تنتهج منحي جديد لم تعتاده مصر من قبل، وهو إمكانية العدول عن قرارها حال تفهم الموقف وسماع اراء مغايرة لما بني عليه القرار الأول".
واعتبر البلشي ذلك التراجع "أولي خطوات بناء دولة المؤسسات ويجسد تكوين خصوصية كل مؤسسة علي حدة ومنع تغول مؤسسة على أخرى"، موضحا أن "السلطة القضائية استعادت هيبتها ومكانتها مع ثورة 25 يناير ولن تتنازل عن ذلك".
وكان محمود مكي نائب رئيس الجمهورية قد أكد خلال مؤتمر صحفي ظهر السبت أن مؤسسة الرئاسة لن تلجأ لإصدار تشريعات لإبعاد النائب العام عن منصبه، علي الرغم من أن الدستور اسند إليها سلطة التشريع في ظل غياب البرلمان في الوقت الحالي.
من جانبه، يري المحلل السياسي توفيق غانم أن تراجع مؤسسة الرئاسة عن قرارها فيما يخص النائب العام يحمل سلبيات كما يحمل ايجابيات ، وقال في تصريحات لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء أننا "أصبحنا اليوم نشهد تدافع بين المؤسسات وهي ظاهرة ايجابية ، تحدث حالة من التوازن بين المؤسسات وتمنع تغول مؤسسة على أخرى".
واوضح غانم للأناضول أن تراجع مؤسسة الرئاسة عن قرارتها خاصة فيما يتعلق بالسلطة القضائية بعدم تفهم الامر يشير إلي أن مصر أصبحت في طريقها لبناء دولة المؤسسات وأن السلطة التنفيذية ليست صاحبة اليد الطولي في اتخاذ القرار مثلما كان الحال في عهد الرؤساء السابقين الذين تولوا الحكم منذ ثورة 23 يوليو 1952 .
حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أشار بدوره إلى أن "السلطة التنفيذية أقدمت على إجراء ليس من اختصاصها، وهى تعلم مسبقاً أن القانون لا يتيحه لها أو يعطي الرئيس الحق في اتخاذه، وهو ما اعتبره من سلبيات ما جرى خلال اليومين الماضيين".
وأضاف نافعة لـ"وكالة الأناضول للأنباء": "الرئيس كان يتوجب عليه ألا يعتمد على أخبار شفوية خاطئة وألا يتخذ قرارت شديدة الخطورة إلا بعد أن تتوفر لديه المعلومات الواثقة"، مشددا في الوقت نفسه على أن "النقطة الإيجابية أننا أصبحنا في دولة مؤسسات، تنفصل فيها السلطات ولا تتدخل واحدة في شؤون الأخرى".
لكن نافعة استطرد قائلاً: "صحيح أننا أصبحنا في دولة رئاسة لا يمكن للسلطة التنفيذية فيها التغول على القضائية، لكن التعلل بهذه المسألة لتبرير قرار كان خطأ منذ البداية غير مقبول وغير مبرر".
أما طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية فقد اعتبر أن "مخاسر مؤسسة الرئاسة تتلخص في أن أزمة النائب العام ثاني معركة تخوضها السلطة التنفيذية مع القضائية بعد أزمة حكم المحكمة الدستورية العليا بحل مجلس الشعب".
غير أن فهمي اعتبر أن هناك "مكاسب لا تقتصر فقط على دعم مسألة دولة المؤسسات فحسب، ولكن أيضاً إمكانية استثمار القوى السياسية للأحداث الأخيرة للضغط على الرئيس المصري بقبول مطالبهم".
المستشار ناجي دربالة، علق على الأحداث الأخيرة بقوله "خيراً فعل الرئيس بأنه استدرك الأمر وعالج سوء الفهم، مشيراً إلى أن تراجع مؤسسة الرئاسة يحسب لصالح الرئيس المصري، لأنه أقر بذلك فعلا وليس قولا فقط مبدأ الفصل بين السلطات".
وأضاف دربالة في تصريحات خاصة للأناضول "التراجع عن القرار يدل على أننا في دولة مؤسسات، لا تأتي سلطة فيها على حساب الأخرى، وإن كان هناك أي نقاط سلبية، فهي ان مؤسسة الرئاسة تحتاج ان تحسن ادارة شؤون الدولة من خلال المراجعة المستمرة للمعاونين والمستشارين.