أن تجلس أمام شخصية هامة، في بلد مثل ليبيا، ما زالت تلملم، حتى الآن، جراحها كي تستفيق من موت سريري طال عقوداً، يعني أنك أصبحت جليس قائد، تحاول ان تنهل منه ما غاب عنك من معلومات، وفيك إلحاح الباحث عن المفقود، وطالما حدث وجلست اليه، فكل حواسك بالتأكيد ستصغي له، وترغب في أن لا ينتهي الوقت، كي تشعر أنك أصبحت جليس هذه الشخصية الهامة، فما بالك لو كان هذا الشخص، محمود جبريل، رئيس التحالف الوطني الليبي، ورئيس وزراء ليبيا السابق.
في حواره مع وكالة الأناضول، الذي جاء على هامش مشاركته في اعمال منتدى اسطنبول العالمي، في 13 من الشهر الجاري، وقبل سويعات معدودة على انتخاب رئيس وزراء جديد لبلاده، أطلعنا جبريل، على أن من سيقود الحكومة، شخص مستقل، لا ينتمي لأي تيار سياسي، وأن التحالف الوطني سيدعم في هذا الاتجاه.
جبريل الذي أكد على أن تركيا كدولة اسلامية، قدمت نموذجاً اقتصادياً متميزاً، لاسيما في ظل نمو الناتج المحلي الاجمالي، في السنوات الأخيرة، رأى في الوقت ذاته أن تركيا ستكون قدوة للكثير من المجتمعات الاسلامية.
وعلى الصعيد الليبي، اكد جبريل، ان ليبيا لن تنزلق نحو مزيد من التدهور، بفضل وعي الشعب الليبي رغم أن الكثيرين يرجحون الأسوأ، بسبب عدم وجود دولة ، في ظل شيوع حالة من الانفلات الأمني.
وقال جبريل:" ان اهم استحقاق ينتظره الليبيون، هو كتابة الدستور، مشدداً أن يكون دستوراً يساوي في حقوق المواطنة. مشيرا الى ان تحالف القوى الوطنية سيقوم، خلال الفترة المقبلة، بحملة توعية شاملة ، تشمل كل المدن الليبية، للتوعية بحقوق المواطن الدستورية، بحيث إنه عندما يذهب لصندوق الاقتراع لاختيار اللجنة التي تصوغ الدستور القادم، يختارها بناءاً على معايير تحقق له المواطنة المتساوية.
واكد ان تحرر الشعب الليبي من حكم القذافي يجب ان يستكمل بالتخلص من مبدأ الاقصاء، الذي لعبه القذافي وبتحقيق المساواة، سواء على صعيد الطوائف الاثنية أو العربية، المساواة بين الرجل والمرأة ، تحقيق العدالة للأقلية، المساواة بين القبائل.
فإلى نص الحوار:
-على هامش مشاركتكم، في منتدى اسطنبول العالمي، استمعتم إلى كلمة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، وحديثه عن العدالة التي كانت عنواناً للمنتدى، إلى أي مدى يمكن تحقيق مفهوم العدالة في بلادنا العربية؟ وكيف تنظرون إلى دور تركيا في الربيع العربي؟
تركيا كدولة اسلامية، قدمت نموذجاً اقتصادياً متميزاً، فنمو الناتج المحلي الإجمالي التركي في السنوات الأخيرة كان مثار انتباه الكثير من المراقبين، وبالتالي أعتقد أن تركيا ستكون نقطة جذب خلال الفترة المقبلة، وستكون قدوة للكثير من المجتمعات الاسلامية.
من ناحية أخرى، قدمت تركيا الكثير، اثناء الثورة الليبية ، فعلى الصعيد السياسي، قدمت دعماً مشهوداً، حيث كان هناك تشاور مستمر مع السيد رجب طيب اردوغان، والسيد احمد داوود اوغلو ، ولا يمكن للشعب الليبي، أن ينسى الدور التاريخي الذي قامت به تركيا.
وتربطنا بتركيا علاقات تاريخية مميزة، باعتبار ان ليبيا كانت إحدى الولايات التابعة للامبراطورية العثمانية، وليس ذلك فقط، فهي دولة تربطنا بها علاقات الدين، والاقتصاد، فهناك العديد من الشركات التركية التي تعمل في ليبيا، وهي تعتبر، من أكثر الشركات تواجداً وانتشاراً على الأرض الليبية، وبالتالي أرى أنه بعد استقرار الأوضاع، ستكون تركيا من الدول الرائدة التي ستساهم في اعادة إعمار ليبيا.
-برأيكم، ليبيا، إلى اين هي ذاهبة، في ظل ما تشهده المنطقة من "ربيع عربي"؟ ، خاصة وأن هناك جدل عميق داخل المجتمع الليبي، بل هناك تدخل مصالح لقوى كثيرة متناقضة،وهي تلقى استجابة داخلية، مما يعقد المشهد الليبي؟
يعتقد الكثيرون، أنه بسبب عدم وجود دولة ووجود حالة من الانفلات الأمني ، أن ليبيا تنزلق الى المزيد من التدهور، وذلك قد يحدث، ولكني أعتقد أنه بعيد الاحتمال، لسبب بسيط، وهو أن وعي الشعب الليبي، الذي أثبته في مرات عديدة، إحداها، في الـ17 من شباط/فبراير، يوم أن قامت الثورة ، والتي لم أعتقد أنها ستحدث بهذا الحجم والاصرار، والارادة، والقوة، والأخرى التي ظهرت بشكل أكثر وضوحا، في الانتخابات، التي جرت في السابع من تموز/يوليو الماضي، والتي لم يكن يتوقعها أحد، بشكل نزيه وشفاف، حيث أشاد بها كل المراقبين الدوليين، الذين حضروها، وذلك من منظور أنه لم يكن هناك أي انتخابات في ليبيا، ولم يكن هناك أي حراك ديموقراطي،او ثقافة ديموقراطية، ورغم ذلك خرج الليبيون وانتخبوا بشكل حضاري، هذا كان عبارة عن مفاجاة كبيرة.
إلى جانب ذلك، خرج الليبيون، مرة أخرى، في مدينة بنغازي، في مظاهرة ضد تسليح الشعب الليبي، وأنا اعتقد أن وعي الشعب الليبي هو صمام الأمان.
الأمر الآخر، هو وجود النسيج الاجتماعي المترابط، والذي أساسه التماسك القبلي، وهو الذي قام بكل المصالحات الوطنية التي تجري حتى هذه اللحظة، لأننا لم نستطع إقامة سلطات الدولة، بسبب ذلك أعتقد ان صمامات الأمان هذه، قد تحققت، الى أن نبدأ بانشاء المؤسسات، وأولها، ستظهر اليوم، الأحد 14 من اكتوبر، وذلك عبر انتخاب المؤتمر الوطني التأسيسي رئيساً جديداً للوزراء، بحيث تبدأ الحكومة في استلام الملفات الأمنية، وتأسيس الأجهزة الأمنية، والجيش، والمصالحة الوطنية، والتي تعتبر ملفات عاجلة جداً، فهذه المرحلة انتقالية، ستستمر لمدة سنة، ثم ننتقل بعد ذلك، الى المرحلة البرلمانية.
-بعد سحب الثقة من حكومة أبو شقور، تستعدون اليوم لإنتخاب وجه جديد لتشكيل الحكومة، من ستدعمون في هذه المرحلة؟وكيف ستدعمونه؟
سندعم رئيس الحكومة الجديد، والمستقلون داخل المؤتمر الوطني العام، اتفقوا فيما بينهم، وصوتوا، على أنهم سينتخبون رئيس وزراء مستقل، لا ينتمي لأي تيار سياسي.
ووفقاً لحقنا الدستوري في التحالف الوطني، فمن المفترض نحن من يقوم بتشكيل الحكومة، وذلك من منظورين، الأول:التحالف الوطني،الذي يعتبر أكبر كتلة سياسية متواجدة داخل المؤتمر، ثم أنه بعد فشل رئيس الحكومة السابق، "أبو شقور"، في تشكيل الحكومة، فمن المفروض ان نقوم نحن في التحالف الوطني بتشكيلها، لأن الصوت الثاني الذي يليه هو لكتلتنا، وما زلنا عند ذلك، وما زلنا ننشد الوفاق الوطني.
-برأيكم لماذا فشلت حكومة أبو شقور؟
تشكيلة حكومة "ابو شقور"، كانت مخيبة لآمال الكثيرين، لأن المحاصصة والجهوية القبلية كانت تغلب عليها، الى جانب أنها لم تُبنَ على أساس الكفاءة، ولم تراع شمولية كل التيارات السياسية، وذلك عكس ما كان يدعي بأنه سيكون عبارة عن حكومة توافق.
-هناك التفات على الشرعية التي منحكم إياها الشعب الليبي، إن لم يكن اقصاء لكتلتكم التي حازت على أكثر الاصوات، فمن المستفيد من وراء ذلك، هل هي قوى خارجية أم داخلية؟
لا يمكن استبعاد فكرة القوى الخارجية، هناك قوى داخلية مستميتة، ولا تريد للتحالف الوطني أن يتصدر المشهد السياسي، ومحاربتها للتحالف هو محاربتها لصوت الشعب الليبي، لأنه في السابع من يوليو اختار الشعب اللليبي التحالف بأكثر من 63% من الأصوات ، وبالتالي كل الأصوات الأخرى، لا تصل حتى لنصف الأصوات التي حصلنا عليها، ووقوف هذه القوى ضد التحالف، ليس وقوفاً ضد شخص أو برنامج، فمن وجهة نظري هم يتجاهلون أنهم يقفون ضد إرادة الشعب الليبي، وبالتالي هذه المرحلة قصيرة، فنحن لو قمنا بالتصعيد ضد هذه القوى سندخل في مهاترات ومشاحنات وانقسامات، نحن في غنى عنها في هذه المرحلة، بسبب غياب سلطات الدولة، فأي انقسامات شعبية، من وجهة نظري، ستؤثر بالتأكيد سلباً على عملية التحول الديموقراطي.
-من خلال متابعتنا لبرنامكم الشامل لإحداث المتغيرات التي قامت من أجلها الثورة، نجد أن المعوقات كبيرة أمامكم، فما المخرج؟
أولا: الاستحقاق القادم هو كتابة الدستور، دستور يساوي في حقوق المواطنة ، وبالتالي فإن تحالف القوى الوطنية سيقوم خلال الفترة المقبلة بحملة شاملة ، تشمل كل المدن الليبية، للتوعية بحقوق المواطن الدستورية، بحيث أنه عندما يذهب لصندوق الاقتراع لاختيار اللجنة، التي تصوغ الدستور القادم، يختارها بناءً على معايير، تحقق له المواطنة المتساوية.
-وما هذه المعايير التي يمكنها أن تحقق ذلك؟
عدم الاقصاء، والمساواة، سواء على صعيد الطوائف الاثنية أو العربية، المساواة بين الرجل والمرأة ، المساواة بين الأقليات، المساواة بين القبائل، لأن القذافي وخلال حكمه للبلاد، لعب لعبة الاقصاء بشكل كبير، بحث أقصى مناطق بالكامل، وبالتالي فإن هذه الأمور في غاية الأهمية، كحق التعبير والتظاهر، والإنصاف، والتفكير، فهذه كلها حقوق بديهية ولد بها الانسان ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، في قوله المشهور، قال" متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، وهذا يعني أن الانسان منذ الولادة، يُخلق بحقوق طبيعية ، أعطاها الله سبحانه وتعالى، وغيبتها الأنظمة بشكل آخر ، تحقيقاً لمصلحة استمراريتها، وبالتالي لو نجحنا في المضمون أي اذا نجحنا في أن نصوغ دستور، يساوي في حقوق المواطنة، ويساعد على اقامة الدولة المدنية، الديموقراطية، فأنا اعتقد ان النموذج الليبي سيكون نموذجاً يحتذى به.
-وهل هناك مناخ صحي لتحقيق هذه المعايير للوصول إلى نموذج ليبي يُحتذى به؟
حدثت الآن حالة احباط كبيرة جداً، بعد ان تم التصويت في السابق لتحالف القوى الوطنية، ثم شاهدوا ما يحدث داخل المؤتمر الوطني، حدث نوع من خيبة الأمل، هذا الانتصار الذي ظنوا أنهم حققوه، لم يُترجم الى واقع ملموس داخل المؤتمر الوطني، حيث أنهم اكتشفوا أن المؤتمر الوطني يُدار بطريقة أخرى ، بطريقة لا علاقة لها بالشارع، وهذا بدوره سبّب نوعا من الإحباط، وهنا مطلوب توعية الناس، ازاء المشاركة التصويتية، التي هي حق من الحقوق التي لا علاقة لها في أن تكسب أو تخسر.
-هناك مساس بالسيادة الليبية، وبدى واضحاً بعد مقتل السفير الأميركي، وقيام جهاز الـ اف بي اي بالتحقيق في الموضوع، ما هو تعليقكم على ذلك؟
الولايات المتحدة كأي دولة في العالم لها حق، عندما يعتدى على بعثتها، أن تتدخل لحماية هذه البعثة وحماية مواطنيها، وهذا الأمر كفلته اتفاقية "فيينا"، وهناك قانون دولي يحكم هذه الامور، وهذا الامر لا علاقة له بالسيادة، لكن كيفية تحقيق هذه الحماية، هو ما أتمنى أن يكون فيه تشاور وتنسيق بين السلطات الليبية والأميركية، بما يحفظ حق الولايات المتحدة في حماية مواطنيها، وتأخذ العدالة مجراها ، وأن يحفظ لليبيين حق السيادة.
-وهل قيام الولايات المتحدة الأميركية، بالتحقيق، بنفسها، في موضوع مقتل سفيرها، يعود إلى عدم ثقتها بقدرة الأجهزة الأمنية الليبية على القيام بدورها؟
طبعاً، الأجهزة الأمنية غائبة أو بالتحديد مغيبة.
-من غيّبها برأيكم؟
حالة الانفلات الحالية ، والتيارات المسلحة الكثيرة، لدينا الكثير من الأجهزة الأمنية المحترفة، لكن الحقيقة لم تعد الى أعمالها، وكثير منها عناصر وطنية، حيث أن البعض منهم شارك في الثورة، لكن للأسف تم رفض عودتها من قبل الكثيرين.
-ماذا تستفيد هذه الجهات من عدم عودة هذه العناصر الأمنية إلى أماكنها؟
لا أعرف، ولكن مجرد أن هذه الأجهزة الأمنية، قادرة على اكتشاف العناصر التي قد تثير عدم استقرار في البلاد، وبالتالي وجودها قد يمنع الكثير ممن يريدون عدم الاستقرار ، واشاعة الانفلات الأمني.
-ماذا عن تفعيل القضاء والمصالحة بين الليبيين؟
هذا سيأخذ وقتاً، ما يجري الأن هو نوع من اطفاء الحرائق ، وليس معالجة حقيقية لأسباب عدم وجود مصالحة وطنية.
المصالحة الوطنية لها 3 أبعاد، الأول، أن تكون هناك مصالحة بين التيارات السياسية نفسها، ومد جسور الثقة بينها، والبعد الثاني، هو المصالحة فلابد أن تحصل بين المدن التي حدث بينها صراع أثناء ثورة 17 شباط/فبراير، والبعد الثالث يتمثل في المصالحة بين الليبيين المتواجدين في الخارج ، والذين هربوا من البلاد في ظل النظام الثوري الجديد، وهذه الملفات لابد لها أن تُستكمل، من خلال توافق وطني.
-برأيك أين هم الشباب الحقيقيون الذين قاموا بالثورة؟ أين هم من الواقع الليبي الحاضر؟
الشباب الذين قاموا بالثورة لم يشاركوا المشاركة المطلوبة ، وليس في ليبيا فقط ، ولكن في مصر وتونس واليمن، ومن قام بالثورة لا يتصدر المشهد ، نحن في تحالف القوى الوطنية، نعتبر أنفسنا أفضل حالة من غيرنا من الدول العربية الأخرى، لدينا 39عضواً، 34 منهم تحت سن الأربعين، و24 منهم نساء ، وهو ما لم يحدث في أي ربيع عربي آخر، ولم يحدث مع أي كيان سياسي آخر، فالتحالف الوطني حاول قدر الامكان أن يتعامل مع فئة الشباب والنساء، لأنهم شركاء حقيقيون، ولابد لهم أن يقودوا المرحلة.
-أين محمود جبريل الآن من المشهد الليبي ؟
سأمارس الدور التوعوي، الذي بدأت في ممارسته في نوفمبر الماضي، فالفترة المقبلة ستشهد استحقاق دستوري، أحاول أن أدرب الكثير من الشباب للاستعداد لاستحقاقات الانتخابات البرلمانية القادمة.
news_share_descriptionsubscription_contact
