ما جلس مصريان هذه الأيام ليلا أو نهارا إلا وبادر أحدهما الآخر بهذا السؤال: "ستنتخب من رئيسا؟ ("هتنتخب مين ريس؟"، بالعامية المصرية).
فلم يعد يخلو حديث في وسائل المواصلات أو المقاهي أو المنازل أو مقرات العمل من هذا السؤال، ليرد كل على الآخر باسم مرشحه المفضل، وفي حالة التوافق يعدد الطرفان مزاياه للأخرين، وإذا اختلفا يحاول كل منهما إقناع الآخر في نقاش ساخن قد يصل في بعض الأحيان إلى حد الشجار.
هذا المشهد غير الاعتيادي على شوارع وبيوت القاهرة وغيرها من المدن المصرية، أصبح حديث الساعة لدى المصريين الذين يعيشون لأول مرة في تاريخهم انتخابات رئاسية تنافسية حقيقية بعد الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك قبل أكثر من عام.
وأصبح معتادا بمجرد أن تضع قدميك داخل سيارة الأجرة في القاهرة التي غالبا ما تكتسي بصورة أحد المرشحين كنوع من أنواع الدعاية، حتى يبادرك سائقها بسؤالك: "ستنتخب من رئيسا؟" ليبدأ بعد ذلك نقاشا مطولا عن الانتخابات ومميزات وعيوب كل مرشح حتى تصل إلى نهاية الطريق، ليودعك ويتمنى لك انتخابات رئاسية سعيدة مع توصية منه بانتخاب مرشحه المفضل.
ليس سائق السيارة الأجرة فقط من يفعل ذلك بل أيضا زوار المقهى الشعبي الذي تحولت جلساتهم إلى منتدى سياسي تُضم فيه الموائد إلى جوار بعضها البعض حيث يدلي كل واحد منهم برأية في نفس واحد فتتداخل الأصوات وترتفع دون أن تسفر في النهاية عن توافق.
أما حوارات "ربات البيوت" فقد تحولت من الحديث عن أشهى الأكلات إلى النقاش حول مميزات كل مرشح والدعوة إلى المرشح المفضل لإحداهن في محاولة لإقناع من لم تحسم أمرها بعد.
سؤال الساعة وكل ساعة في مصر صار يفرض نفسه أيضا على موائد الطعام.
فما إن يقف الموظفون والعمال قبل توجههم إلى أعمالهم صباحا حول عربات الفول المتنقلة التي تشتهر بها شوارع القاهرة لتناول فطورهم، حتى يشرعون في تجاذب أطراف الحديث عن الانتخابات والمرشحين المفضلين لديهم.
الأمر أيضا لم يتوقف عند هذا الحد بل وصل إلى مباريات كرة القدم حيث يترك المعلقون أحداث المباريات فجأة ليحولوا دفة التعليق الكروي إلى حديث الانتخابات والمرشحين وما يدور بينهما من مناظرات على مختلف القنوات الفضائية ويتجرأ بعضهم أحيانا ليوجه الناخبين من بعيد نحو مرشح بعينه.
وتحولت معظم البرامج الرياضية للحديث عن المرشحين وإجراء استطلاعات لرأي الجمهور عبر المداخلات الهاتفية والتصويت عبر صفحات الفيس بوك في محاولة للإجابة عن السؤال المعهود: من ستنتخب؟.
ورغم تبقي أقل من يومين على الانتخابات التي يشارك فيها 13 مرشحا إلا أن معظم المصريين لم يحسموا خيارهم بعد، فمنهم من يخشى عمرو موسى معتبرينه "فلول" (من النظام السابق) ومنهم من يستبعد عبد المنعم أبو الفتوح لأنه "عضو سابق في جماعة الإخوان المسلمين التي تريد ان تستأثر بالحكم بعد حصولها على الأكثرية في البرلمان"، ومنهم من يرفض مرشح الجماعة محمد مرسي لأنه "احتياطي" بديلا عن نائب المرشد خيرت الشاطر، ومنهم من يقلل من فرص حمدين صباحي لأنه "يتمسك بالماضي الناصري" أو من خالد علي لأنه "شاب وليس له خبرة".
وفيما وصلت المناقشات بين مؤيدي كل مرشح إلى درجة عالية من السخونة، بردت في الوقت نفسه القضايا الخلافية السياسية الأخرى، واختفت لأول مرة منذ أكثر من شهر "المليونيات" يوم الجمعة بعد أن توارت أصوات الانتقادات المعتادة في الشارع للمجلس العسكري الذي يدير شئون البلاد ليحل محلها السؤال الأشهر في مصر الآن.
الكاتب والباحث المصري في علم الاجتماع السياسي الدكتور عمار على حسن يرى أن المصريين في هذه الفترة يتعرضون لوجبة سياسية دسمة وتوعية سياسية هامة، لافتا إلى أن الاهتمام بالسياسة في السابق كان محدودا ولا يتجاوز 5 % من الشعب المصري.
ويضيف حسن للأناضول أن التركيز الإعلامي حول مرشحي الرئاسة استطاع اجتذاب عشرات الملايين من المشاهدين، مما أتاح للمواطن العادي الذي ربما لم تكن لديه فرصة لمتابعة برامج المرشحين أو التعرف عليهم أن يعمق معرفته بهم عن قرب.
ويتوقع الباحث المصري أن يستمر هذا الاهتمام بعد انتخابات الرئاسة "خاصة بعد أن ذاق المصريون طعم الديمقراطية"، مرجحا أن يكون لهذا الوعي دورا في المرحلة القادمة فيما يتعلق بالمراقبة الشعبية لأداء الرئيس المقبل