Belirsiz Kişi, Hişam Sabanlıoğlu
28 أبريل 2026•تحديث: 28 أبريل 2026
إسطنبول/ الأناضول
قراءة للباحث التركي، براق ألمالي في بيان شركة "بالانتير" الأمريكية بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي في منظومة الأمن القومي والعمليات العسكرية
- تتمتع شركة "بالانتير" لتحليل البيانات بموقع متقدم داخل منظومة الأمن القومي الأمريكي
- في السنوات الأخيرة، وسّعت الشركة نطاق عملها من تحليل البيانات إلى مجالات أكثر عسكرية
- لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على تغيير طبيعة الحروب، بل يمتد ليعيد تشكيل الظروف التي تُتخذ فيها قرارات الحرب نفسها
في ظل التسارع المتزايد لتوظيف الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية والأمنية، لم يعد النقاش مقتصرًا على التطورات التقنية، بل امتد ليشمل أبعادًا جيوسياسية وأخلاقية تعيد صياغة مفهوم القوة في النظام الدولي.
وفي هذا التحليل، يتناول الباحث التركي في مركز أبحاث "تي أر تي ورلد" (TRT World)، براق ألمالي، دلالات بيان مكوّن من 22 بندًا نشرته شركة "بالانتير" الأمريكية في 18 أبريل/ نيسان الجاري بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي.
و"بالانتير" هي شركة برمجيات أمريكية متخصصة في تحليلات البيانات الضخمة، أسست عام 2003، وتعمل بشكل وثيق مع الحكومات ووكالات الاستخبارات والشركات التجارية الكبرى.
** القوة التكنولوجية
قبل نحو قرن، حذّر الفيلسوفان "تيودور أدورنو" و"ماكس هوركهايمر" من أن العقل الحديث قد يفقد طابعه التحرري ويتحول إلى أداة للسيطرة. اليوم، تبدو هذه الفكرة أكثر واقعية في ظل أنظمة تكنولوجية قادرة على الإدارة والتنبؤ واتخاذ القرار.
وفي هذا الإطار، نشرت شركة "بالانتير" الأمريكية، عبر حسابها الرسمي على منصة شركة "إكس" الأمريكية، بيانًا مؤلفًا من 22 بندًا مقتبسًا من كتاب رئيسها التنفيذي ألكسندر كارب بعنوان "الجمهورية التكنولوجية".
بيان الشركة الأمريكية يطرح رؤية جديدة لطبيعة الصراع في المستقبل، حيث تتداخل التكنولوجيا مع مفاهيم القوة والسيادة، وتتحول الشركات التقنية إلى فاعل رئيسي في معادلات الحرب.
ولا يقتصر هذا البيان على كونه إعلانًا مؤسسيًا فحسب، بل يرقى إلى دعوة تعبئة شاملة، حيث يعيد تعريف دور "وادي السيليكون" في الحروب الحديثة، مؤكدًا أن التفوق في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الدفاعية لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية، وواجبًا وطنيًا.
** ركيزة أساسية
تتمتع "بالانتير" بموقع متقدم داخل منظومة الأمن القومي الأمريكي، إذ يُستخدم نظام "غوثام" الخاص بها في مؤسسات مثل وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي أيه"، ووزارة الدفاع (البنتاغون).
وفي السنوات الأخيرة، وسّعت الشركة نطاق عملها من تحليل البيانات إلى مجالات أكثر عسكرية، من خلال مشاريع مثل برنامج "تايتان" التابع للجيش الأمريكي، الذي يدمج الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف، إضافة إلى مشروع "مافن" الذي شكّل نقطة تحول في علاقة شركات وادي السيليكون بالحرب بعد انسحاب "غوغل" منه نتيجة احتجاجات داخلية.
ومشروع "مافن" هو برنامج عسكري أمريكي أطلقته وزارة الدفاع الأمريكية عام 2017، ويهدف إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات هائلة من الفيديوهات الجوية من الطائرات بدون طيار لتحسين عمليات الاستهداف.
وأثار المشروع احتجاجات داخل "غوغل"، حيث وقّع 4000 موظف عريضة في 2018 تطالب بإنهائه لأنه "يُساهم في تسليح الذكاء الاصطناعي"، مما دفع الشركة إلى عدم تجديد عقدها مع البنتاغون في 2019.
كما أصبحت شركة "بالانتير" لاعبًا رئيسيًا في أنظمة دعم القرار العسكري واللوجستي، إذ تُستخدم تقنياتها في ساحات الصراع، بما في ذلك أوكرانيا.
وهي بذلك تمثل جزءًا من منظومة تكنولوجية دفاعية جديدة تضم شركات ناشئة إلى جانب عمالقة الصناعات العسكرية التقليدية.
في الوقت ذاته، توسعت أنشطة الشركة إلى البنية الإدارية الداخلية، حيث أثارت مشاريعها مع دائرة الهجرة والجمارك الأمريكية انتقادات من منظمات حقوقية بسبب استخدامات تتعلق بالتنبؤ والمراقبة.
** علاقات مع إسرائيل
يتقاطع البيان مع تعزيز "بالانتير" لعلاقاتها مع إسرائيل، حيث أعلنت الشركة عام 2024 عن شراكة مع وزارة الدفاع الإسرائيلية.
كما عبّر رئيسها التنفيذي ألكسندر كارب، أكثر من مرة عن دعمه لسياسات تل أبيب.
وتتجاوز المسألة البعد السياسي إلى بعد عملياتي، مع الحديث عن أنظمة مثل "لافندر" و"غوسبل" التي تعتمد على "أتمتة" عمليات الاستهداف، والتي استُخدمت في تحديد الأهداف خلال حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل في غزة بدءا من 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واستمرت عامين.
ورغم عدم تأكيد ارتباط هذه الأنظمة مباشرة بمنتجات "بالانتير"، فإنها تعكس بوضوح نمط "الحرب الخوارزمية" التي تمثلها منصات الشركة.
** تحول جذري
إضافة إلى ما سبق، يمكن القول إن هذه التطورات تعكس أيضًا تحولًا جذريًا في طبيعة الحرب، حيث لم تعد المواجهة مجرد صراع ميداني، بل أصبحت مسألة دمج بيانات.
فالمعلومات القادمة من المستشعرات والأقمار الصناعية وشبكات الاتصالات يتم دمجها في صورة عملياتية واحدة، ما يمنح الجيوش ليس فقط وعيًا ميدانيًا، بل قدرة على التنبؤ والتفوق الاستباقي.
ويتماشى هذا التوجه مع برامج أمريكية مثل "ريبليكاتور" الذي يهدف إلى نشر أنظمة ذاتية بأعداد كبيرة، وكذلك مع توجهات حلف شمال الأطلسي (ناتو) لتعزيز التكامل بين أنظمة القيادة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
كما تسير الصين في الاتجاه ذاته، عبر الاستثمار في أنظمة اتخاذ القرار المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والحرب الإدراكية، ودمج البيانات متعددة المجالات، ما يعزز سباقًا عالميًا نحو "عقيدة الحرب الخوارزمية".
** تفوق الذكاء الاصطناعي
ويمكن قراءة بيان "بالانتير" ليس فقط كنص فكري، بل كجزء من استراتيجية صناعية ذات أبعاد جيوسياسية. إذ يقوم على فرضية أن التفوق في الذكاء الاصطناعي سيحدد موازين القوى العالمية، كما فعلت القدرات النووية خلال الحرب الباردة أو القوة الصناعية في بدايات القرن العشرين.
ويظهر هذا الأمر التحول في سلوك الأسواق، حيث يعكس ارتفاع القيمة السوقية للشركة، ثقة المستثمرين في أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي الدفاعي ستصبح مجالًا دائم النمو، مع تحول الحكومات إلى عميل رئيسي بدلًا من المستهلكين.
غير أن هذا المسار يطرح تحديات بنيوية، أبرزها تلاشي الحدود بين المجالين المدني والعسكري، وعجز آليات الرقابة التقليدية عن مواكبة التطور السريع للنماذج البرمجية.
** إشكاليات التحكم
وفي السياق ذاته، لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدمج في منظومات الأمن القومي أم لا، بل كيف يمكن إدارة أنظمة تتجه نحو قدر أكبر من الاستقلالية.
الخطر لا يكمن فقط في سوء الاستخدام، بل في أن منطق السرعة والتوسع قد يحل تدريجيًا محل المساءلة السياسية، ما يجعل العنف أكثر تشتتًا وأصعب تتبعًا.
وبذلك، لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على تغيير طبيعة الحروب، بل يمتد ليعيد تشكيل الظروف التي تُتخذ فيها قرارات الحرب نفسها.