إسطنبول/ علي سمين/ الأناضول
صراعات مذهبية، فساد سياسي واقتصادي، جرائم قتل مرعبة، بشر من كل الأديان والمذاهب يُذبحون وترمى أجسادهم في الطرقات، تنظيمات إرهابية... مشاهد أعقبت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، في واقع ينطق لسانه بأن الأخير لم يتسبب فقط بإعدام الرئيس صدام حسين بل فتح الباب لانكسارات سياسية واجتماعية عميقة انعكست على حملة تحرير الموصل من تنظيم "داعش".
فالنظام السياسي الذي تأسس على يد الولايات المتحدة بالعراق في أعقاب الغزو، يعتمد على العرقية والمذهبية، وهو ما زال قائما حتى اليوم على الرغم من البدء في إجراء انتخابات برلمانية ومحلية منذ عام 2005.
ولأن البلاد لم تشهد عبر تاريخها إحصاءً سكانياً دقيقاً، وكان التركيز فيها دائماً على النسب المذهبية والعرقية، لم تلق نتائج الاستحقاقات الانتخابية اهتماماً بقدر الاهتمام بنسب الانتماءات المذهبية والعرقية، ما دفع إلى تشكيل حكومة مركزية ذات أغلبية شيعية.
ولا يختلف اثنان على أنّ القوات الشيعية المحلية والفصائل الموالية لإيران قامت بملئ الفراغ الحاصل نتيجة انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2011، الأمر الذي أضعف دور العرب السنة والأكراد داخل الحكومة المركزية في بغداد، ومنذ ذلك الحين يقوم الشيعة بإبعاد السنة من الحكومة، وهو الأمر الذي يُعد من أهم أسباب تعميق الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد.
- السياسة المذهبية للحكومة الشيعية في العراق
أدى النظام السياسي القائم إلى تفاقم التوتر بين السنة والشيعة، بمنحه الطرف الأخير منصب رئاسة الوزراء، وللأكراد رئاسة الجمهورية، وللسنّة رئاسة البرلمان، ولذا فإنّ ظفر أي حزب سياسي بأغلبية الأصوات في الانتخابات العامة، لا يغيّر التقسيمات الأساسية التي وضعتها الولايات المتحدة.
ولو أمعنّا النظر في الهيكلية السياسية، لوجدنا أنّ هناك توازنين في السياسة الداخلية، الأول: تقاسم الشيعة والسنة والأكراد لرئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ورئاسة البرلمان، والثاني: يعتمد التقاسم الحاصل بين الأحزاب السياسية استناداً إلى الموازين الداخلية للأطراف الثلاثة.
ومن الواضح أنّ هذين التوازنين يخلقان في العراق تنافساً بين القوى المذهبية والعرقية، إضافة إلى افتعال أزمات سياسية، فمن الممكن القول بأنّ موازين القوى في البلاد تغيرت تماماً عقب الانسحاب الأمريكي منه.
السنة والأكراد لم يتمكنوا من امتلاك قوة داخل الحكومة المركزية كالقوة التي بحوزة الشيعة، فالعاصمة بغداد باتت تتحرك وفق الإملاءات الشيعية والإيرانية، ذلك لأنّ الشيعة يمتلكون 183 مقعداً من أصل 328 مقعدا في البرلمان، وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى تحكمهم في السياسة الداخلية والخارجية للعراق.
ولا يختلف اثنان على أنّ العراق لا يملك القوة والإرادة الكافيتين لإنهاء الأزمات السياسية والهجمات الإرهابية التي يتعرض لها منذ عام 2003، ولأنّ الحكومة المركزية ليست قادرة على القيام بمحاربة الإرهاب وإنهاء أزماتها السياسية بمفردها، فقد بدأت منذ عام 2011 باتباع سياسة داخلية وخارجية ذي محور شيعي وإيراني، وهذا من شأنه تصعيد الأزمات الحاصلة في البلاد.
- هل تفضّل الولايات المتحدة الأمريكية رؤية عراق مجزّء؟
من الممكن تفسير تفاقم المشاحنات المذهبية والعرقية على أنه جزء من السيناريو الأمريكي الرامي لتقسيم البلاد إلى 3 أجزاء، ومن الممكن القول بأنّ واشنطن تعدّ خطط تقسيم العراق على المدى البعيد، بالاعتماد على ممارسات الحكومة المركزية الشيعية في بغداد.
خطت الولايات المتحدة خطوتها الأولى لتحقيق هذا الهدف، عندما أدخلت مفهوم الفيدرالية على الدستور العراقي الذي تمّ صياغته في عام 2005، وبهذا تكون واشنطن قد أتمت الخطوة الأولى في إزالة هيكلية الدولة المركزية في هذا البلد.
والمرحلة الثانية من خطة الولايات المتحدة لتقسيم العراق تتمثل في تفريق عربه على أساس مذهبي بين سنة وشيعة، وإبعاد الحكومات المتعاقبة عن العالم العربي، ويمكننا القول بأنها نجحت في تجاوز هذه المرحلة أيضاً.
أما المرحلة الثالثة، فهي إجبار العرب السنة على قبول نظام الدولة الفيدرالية رغم تمسكهم الشديد بمفهوم الدولة المركزية.
- التوازنات الداخلية في العراق بعد ظهور تنظيم داعش الإرهابي:
من الممكن القول إنّ التوازنات العسكرية والجغرافية والسياسية قد تغيرت تماماً عقب سيطرة تنظيم "داعش" الإرهابي على مدينة الموصل في يونيو/حزيران عام 2014، فقد انضمّ آلاف من الشيعة القادرين على حمل السلاح إلى الحشد الشعبي الذي تأسس بدعوة أطلقها المرجع الشيعي علي السيستاني في 12 يونيو من العام نفسه، وبدعم عسكري ولوجستي من إيران.
وحمل الحشد الشعبي منذ ذلك الحين صفة الجيش الشيعي العراقي، وعلى الرغم من أنّ الهدف الأساسي لتشكيل هذا الحشد هو محاربة "داعش"، إلّا أنّه يشبه حزب الله اللبناني من حيث الهيكلية، والجميع يعلم بأنّ الحشد قام بمحاولات عدة لتغيير ديمغرافية المناطق السنية.
من جانب آخر فإنّ التوزيع الجغرافي لتنظيم داعش، سرّع من عملية تقسيم العراق على أساس مذهبي وعرقي، فهذين الطابعين للنظام السياسي القائم ينعكس بشكل واضح على محاربة التنظيم، فميليشيات الحشد الشعبي تسعى لحماية الشيعة.
أما قوات البيشمركة، فتعمل من جهتها، على السيطرة على المناطق التي يدور حولها جدل في الدستور العراقي وضمها إلى مناطق الإقليم الكردي، فيما ينقسم العرب السنة إلى قوتين هما الحشد العشائري والحشد الوطني، وهذا التشتت بين القوى العراقية ومنافستها لبعضهم البعض يؤدي إلى فشل العراق في التغلب على المنظمات الإرهابية.
-أزمة بعشيقة في العلاقات التركية العراقية
التحالف الدولي الذي يضم 65 بلدًا بقيادة الولايات المتحدة، تشكل في سبتمبر/ أيلول 2014، بهدف مكافحة تنظيم "داعش"، ودعم وتدريب القوى المحلية وتقديم الاستشارة العسكرية لها ضد التنظيم في كل من العراق وسوريا.
وفي هذا الإطار تدّرب 20 دولة على رأسها الولايات المتحدة، قوات محلية في عدة معسكرات بالعراق، وتنفذ غارات جوية على مواقع التنظيم الإرهابي.
وتدرب تركيا قوات محلية في معسكر بعشيقة الذي يبعد 32 كلم عن مدينة الموصل بمحافظة نينوى شمالي العراق.
وتتلقى قوات البيشمركة وقوات الحشد الوطني الذي يضم في قوامه التركمان والعرب السنة، بقيادة محافظ الموصل السابق أثيل النجيفي، تدريبات على يد القوات التركية .
وبحسب أرقام رسمية، دربت تركيا في هذا المعكسر ألفي عنصر من قوات البيشمركة، و3 آلاف من الحشد الوطني حتى اليوم.
لم تكتفِ أنقرة بإنشاء معسكر بعشيقة فقط، وإنما دعمت حكومة بغداد بطائرتين عسكريتين من طراز سي- 130، في إطار قتال "داعش"، وأرسلتها إلى قاعدة "مثنى" الجوية التي تبعد عن بغداد مسافة 20 كلم.
ولإظهار مدى تصميم تركيا على مكافحة "داعش" أجرى وزير دفاعها، عصمت يلماز، في 4 مارس/ آذار من العام الماضي زيارة إلى بغداد، من أجل التعبير عن موقفها الداعم للعراق ضد التنظيم الإرهابي.
وأبدى يلماز استعداد بلاده في مشاركة العراق بعمليات عسكرية محتملة في الموصل لتحريرها من قبضة التنظيم، وأكد أن تركيا مستعدة لدعم حكومة بغداد استخباراتيا ولوجيستيا.
ومثلما تقدم إيران الدعم للمليشيات الشيعية، تقدم تركيا دعمها للعرب والتركمان السنة في الموصل من أجل تحرير مدينتهم من "داعش".
ولهذ السبب كان الأجدى بحكومة بغداد ألا تعارض الدعم التركي، حيث بلغ بها الأمر أن وصف برلمانها في 4 أكتوبر/ تشرين أول الجاري، القوات التركية داخل العراق بـ"قوات احتلال".
رد تركيا لم يتأخر إزاء هذا الأمر، حيث استدعت أنقرة سفير العراق لديها هشام علي أكبر إبراهيم العلوي، وأدانت وصف برلمان العراق قواتها بـ "الاحتلال".
وجب التوضيح هنا أن الولايات المتحدة أرسلت 300 عسكري في البداية للعراق في إطار دعمها لحكومة بغداد في قتال "داعش"، في حين أن عدد العسكريين الأمريكيين يصل إلى 5 آلاف و654 شخصًا وفق التقديرات.
والسؤال هنا لماذا لا تعتبر حكومة بغداد الولايات المتحدة وإيران قوات احتلال؟
تشكّل تركيا طوق نجاة بالنسبة للعرب والتركمان السنة الذين تتجاهلهم الولايات المتحدة والدول العربية، خصوصًا في ظل الإقصاء الذي يعاني العرب السنة الموصليون من حكومة بغداد الشيعية.
والوجود العسكري التركي في معسكر بعشيقة، يقف أمام تغيير التركيبة الديموغرافية للموصل خلال عملية محتملة لتحريرها.
ونهاية المطاف هناك مساعٍ لإعطاء انطباعِ يوحي بأن وجود تركيا في العراق مقتصر على الوجود عسكريًا فقط، في حين أن أنقرة تأتي في مقدمة الدول التي تدعم العراق من الناحية الإنسانية والإغاثية.
تركيا تمد أيديها للعراقيين وتحتضنهم في أراضيها، وتقدم المساعدات الإنسانية لهم من خلال إدارة الكوارث والطوارئ التركية (آفاد)، في دهوك، وأربيل، وكركوك، وحتى في بغداد، فضلاً عن علاج المصابين العراقيين في تركيا منذ عام 2003.
وبالنظر إلى المساعدات الإنسانية التي قدمتها تركيا للعراق، الأجدى بحكومة بغداد التي تتبع سياسية طائفية مرتبطة بإيران تحرير الموصل والأراضي العراقية الأخرى من قبضة "داعش"، بدلاً من وصم الجيش التركي على أنه "قوة احتلال".
وبالمختصر، مشاركة تركيا في العملية المرتقبة لتحرير الموصل بفعالية كبيرة، تشكل مسألة حيوية بالنسبة للحفاظ على أمن التركمان.
news_share_descriptionsubscription_contact
