محمد عابد/الأناضول
يقف التحالف الاقتصادي الوثيق الذي جمع إيطاليا وروسيا لعقود، على مفترق طرق، بحسب دراسات حديثة، بعد عثور إيطاليا في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط، على كميات كبيرة من الغاز، ستشكل غريماً للغاز الروسي في المنطقة.
تلعب مصادر الطاقة أدواراً استراتيجية مهمةً على مستوى العالم، وخصوصاً النفط والغاز، بالرغم من اعتبارهما مصدرين ناضبين، ومن ظهور مصادر بديلة لهما كالطاقة النووية والمتجددة، إلا أنهما لا يزالان يعتبران الأهم، والأكثر كفاءة في تلبية حاجات الدول.
كما يعد النفط والغاز من أكثر الموارد الاقتصادية تأثيراً وتأثراً بالصراعات السياسية حول العالم، وتعقد خرائط مصادرها وطرق تصديرها وأسواق استهلاكها، علاوةً على أسعارها، من الحسابات السياسية، الأمر الذي يجعل من الكشف عن حقل جديد للنفط أو الغاز حدثاً عالمياً مهماً، بينما تنشط الشركات الكبرى في التنافس على التنقيب عن حقول جديدة، والحصول على امتيازات الاستخراج منها، علاوة على النقل والتكرير، ومن وراء تلك الشركات دول وتحالفات عالمية.
أزمة الغاز الروسي في أوروبا
أثار استخدام روسيا للغاز الطبيعي، الذي تمتلك ربع احتياطيات العالم منه، كورقة سياسية في أوروبا، قلقاً لدى عددٍ من الدول الأوروبية، حيث تعتمد أكثرها اعتماداً كاملاً أو شبه كامل على موارد الطاقة الروسية.
فقد قامت موسكو بقطع إمدادات الغاز عن أوكرانيا عدة مرات، في إطار الخلاف بين الجانبين، وتضررت بذلك إمدادات الغاز الروسي لأوروبا، حيث تمر 80% من صادرات الغاز الروسي لأوروبا عبر أوكرانيا.
وللتخفيف من انعكاسات الأزمة على موسكو وعلى كبرى الأسواق في غرب أوروبا، أعلنت روسيا وألمانيا، في 4 سبتمبر/أيلول 2015، عن اتفاق لمضاعفة صادرات الغاز المباشرة من روسيا إلى ألمانيا، عبر أنابيب تمر أسفل بحر البلطيق، تحمل اسم "Nord stream 2"، الأمر الذي ستكون له انعكاسات سلبية على دول أوروبية أخرى، خصوصاً دول وسط أوروبا، التي تعتمد على الغاز الروسي بشكل شبه كامل.
النشاط الإيطالي في التنقيب عن الغاز والنفط
تعد روما أكبر المتضررين من المشروع الروسي-الألماني، حيث شكلت إيطاليا محطة لتوزيع الغاز والطاقة في جنوب أوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط، باعتماد كبير على الغاز المستورد من روسيا عبر أوكرانيا، إلا أنها ستفقد ذلك الموقع الاقتصادي والاستراتيجي لصالح ألمانيا بعد البدء بتشغيل المشروع المرتقب، الأمر الذي شكل حافزاً كبيراً للحكومة والشركات الإيطالية، خصوصاً شركة ENI العملاقة، للبحث عن مصادر جديدة للغاز.
نشطت شركة ENI بالبحث عن مصادر جديدة للغاز والنفط بشكل كبير في السنوات الخمس الماضية، خصوصاً في البحر الأبيض المتوسط والسواحل الشرقية لإفريقيا، إضافةً إلى وسط إفريقيا وجنوب شرق آسيا وباكستان والمكسيك، بل إنها كانت من أوائل الشركات الغربية توجها إلى إيران بعد الاتفاق النووي مطلع 2015.
نستعرض فيما يلي أهم حقول الغاز التي تم اكتشافها مؤخراً، والأدوار السياسية والاقتصادية التي ستمثلها:
حقل "الشروق" المصري
أعلنت ENI الإيطالية، في 30 أغسطس/آب 2015، اكتشافها حقل "الشروق"، أو "Zohr"، في مياه مصر في البحر الأبيض المتوسط.
وقدرت الشركة كميات الغاز في الحقل بـ850 مليار متر مكعب (30 ترليون قدم مكعب)، ما يجعله أكبر حقل للغاز في الشرق الأوسط وحوض المتوسط، على أن يبدأ إنتاج منه في الربع الأخير من عام 2017.
وبحسب دراسة حديثة، صادرة عن مؤسسة جيمس تاون للبحوث، يعد الاكتشاف الإيطالي تحدياً لموسكو وعملاق الطاقة الروسي "غازبروم"، حيث سيشكل "الشروق" بديلاً للغاز الروسي بالنسبة لمصر، ويتوقع أن يغطي احتياجاتها لعقدين قادمين، كما سيشكل مصدراً إضافياً للغاز بالنسبة إلى إيطاليا، وسيخفف من اعتمادها على الغاز الروسي القادم من الغريم الألماني.
تثبت روما بذلك، لكل من روسيا وألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي، بأنه من الممكن إيجاد مصادر للطاقة، تخفف من الاعتماد على روسيا، الأمر الذي قد تستخدمه، بحسب مؤسسة جمس تاون الأمريكية، كورقة للضغط على موسكو وبرلين، ولحشد دول وسط أوروبا إلى جانبها في صراعها مع برلين على زعامة سوق الطاقة في أوروبا.
في المقابل، سيعجل اكتشاف ENI من مساعي روسيا لإحكام السيطرة على أسواق شرق ووسط أوروبا وحوض المتوسط، قبل أن يبدأ الإيطاليون إنتاج الغاز من الحقل المصري، وذلك عبر خط أنابيب السيل التركي المرتقب.
ففي 31 أغسطس/آب الماضي، وبعد أن أنهى الجانبان التركي والروسي خلافاً دام أشهراً، على خلفية سقوط طائرة حربية روسية بالقرب من الحدود التركية-السورية، وقع الجانبان اتفاقاً يقضي بتسريع إجراءات إنشاء السيل التركي، الذي تعول عليه موسكو في حفظ حصتها في الأسواق الأوروبية.
وإلى جانب "الشروق" المصري، شكل توجه إيطاليا للاتفاق مع أذربيجان على استيراد الغاز منها عبر تركيا، عاملاً إضافياً دفع موسكو نحو التعجيل في الاتفاق مع تركيا، إضافة إلى مساعي روما لتسوية تقاسم كميات الغاز الكبيرة الموجودة في شرق المتوسط بين الدول المعنية، (تركيا، سوريا، لبنان، قبرص، إسرائيل، مصر، السلطة الفلسطينية).
وجاء الرد الروسي على المساعي الإيطالية بحرمان الشركات الإيطالية من امتيازات في مشاريع مهمة للطاقة، مثل السيل التركي و"Nord Stream 2"، الأمر الذي ينذر بتصاعد الأزمة بين البلدين، الذين جمعتهما مصالح اقتصادية كبيرة في العقود الماضية، جعلت من روما خامس أكبر شريك تجاري لموسكو.
حقول موزمبيق
عثرت ENI الإيطالية، إلى جانب شركات أخرى، في السنوات القليلة الماضية، على عدة حقول للغاز في موزمبيق، رفعت كمية إحتياطي الغاز المثبتة في البلاد من 4.5 ترليون قدم مكعب على 100 ترليون قدم مكعب، بحسب موقع وزارة الطاقة الأمريكية، الأمر الذي وضع الدولة التي تقع جنوب شرقي القارة الأفريقية، في المركز الثالث على مستوى القارة، بعد الجزائر ونيجيريا، في إحتياطيات الغاز المؤكدة.
وتقدر ENI كمية الغاز المحتملة في الحقول التي اكتشفتها بـ85 ترليون قدم مكعب، وهو رقم يفوق بكثير ما عثرت عليه في حقل "الشروق"، إلا أن الغاز المصري يتمتع بجدوى اقتصادية أعلى، ويقع حقله في نقطة مهمة استراتيجياً وقريبة جغرافيا، خصوصاً بالنسبة لإيطاليا في هذه المرحلة.
غير أن موقع موزمبيق على الساحل الشرقي للقارة الإفريقية يمثل فرصة مهمة لتصدير الغاز بأسعار منافسة إلى أسواق كبيرة كالهند وجنوب شرق آسيا، إضافة إلى جنوب إفريقيا المجاورة، ورغم أن تصديره على شكل غاز مسال عبر البحار سيستغرق وقتاً، وقد لا يبدأ بشكل فعال قبل عام 2020، بحسب تقديرات وزارة الطاقة الأمريكية، إلا أنه سيشكل تحدياً لأسواق الغاز الخليجي في آسيا.
حوض "ويلد" البريطاني
وضعت مجلة "Oil and Gas Vertical" الروسية المختصة بالطاقة، اكتشاف حقل النفط في حوض "ويلد"، جنوبي بريطانيا، في المرتبة الثانية من حيث الأهمية، بعد حقل "الشروق" المصري، لعام 2015.
ويشير موقع وزارة الطاقة الأمريكية إلى وجود فجوة كبيرة في كميات النفط المتوقع استخراجها من الموقع، حيث تتراوح بين 3.1 و17.5 مليار برميل، إلا أن الاكتشاف جدد ثقة بريطانيا حيال قدرتها على تحقيق استقلالية في قطاع الطاقة، بعد أن سجلت احتياطياتها الأكيدة نهاية عام 2015 انخفاضاً يقدر بـ8% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2014.
كما أن وجود أغلب كميات النفط والغاز في اسكتلندا، شمالي البلاد، شكل ضغطاً كبيراً على لندن في الأعوام الأخيرة، مع تنامي النزعة الاستقلالية لـ"أدنبرة"، حيث ينتظر من الاكتشاف أن يلعب دوراً في تحقيق توازن في توزيع احتياطات النفط في البلاد.
من جانب آخر، سيعزز الاكتشاف من موقع بريطانيا المتقدم في قائمة منتجي النفط في أوروبا، حيث كانت أكبر منتج له في الاتحاد الأوروبي، قبل التصويت لصالح مغادرته في 23 يونيو/حزيران الماضي.
وقد كان أنصار الخروج من الاتحاد يسوقون لذلك باعتبار أن بلادهم تستنزف في ظل وجودها في الاتحاد، عوضاً عن استثمار مواردها بشكلٍ كامل، فمنذ دخول لندن في الاتحاد الأوروبي، مارست بروكسل ضغوطاً كبيرةً من أجل إجبارها على خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري والطاقة النووية لصالح الطاقة البديلة، إضافة إلى تأثير سياسات الاتحاد في التبادل التجاري على قدرة لندن في الاستفادة من صادرات النفط بأسعار أفضل من تلك الموجهة لدول الاتحاد.
وإلى جانب الحقول المذكورة، عثر على كميات مهمة من الغاز والنفط في أماكن أخرى من العالم في السنوات الخمس الأخيرة، أهمها في ميانمار، حيث يتوقع أن تشكل تحولاً في موقع البلاد السياسي والاقتصادي على مستوى جنوب وجنوب شرق آسيا، إضافةً إلى حقول أخرى عثر عليها في تركمانستان والبرازيل وإندونيسيا وأستراليا والصين، قد يكون لها أدوار سياسية واقتصادية مهمة في المستقبل القريب.
يذكر أن الاكتشافات الجديدة لحقول النفط والغاز تشهد انخفاضاً مستمراً عاماً بعد الآخر، فبحسب صحيفة "فاينانشل تايمز" كان عام 2014 الأسوأ منذ عام 1951، ضمن خط بياني منحدر منذ منتصف القرن الماضي، بالرغم من تطور تقنيات البحث والاستخراج، الأمر الذي يزيد من أهمية الاكتشافات الكبيرة الجديدة، ومن تأثيراتها السياسية.
news_share_descriptionsubscription_contact
