15 أبريل 2022•تحديث: 15 أبريل 2022
يشار دمير/ الأناضول
أجريت الانتخابات الرئاسية الفرنسية، في ظل اضطرابات اقتصادية وسياسية واجتماعية سببها وباء كوفيد-19، وتداعيات الحرب الروسية- الأوكرانية.
وأجريت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في فرنسا التي يحكمها نظام شبه رئاسي، في 10 أبريل/ نيسان الجاري، تنافس فيها 12 مرشحاً.
وتسببت الحملات الدعائية للمرشحين في حالة استقطاب شديدة لدى الشعب الفرنسي.
وكان من المنتظر ألا يتم شغل المجتمع بخطابات تسبب فوضى جديدة في ظل حالة من الغضب بسبب التضخم المتصاعد، وحالة من الضبابية بسبب الأزمة الأوكرانية، والإحباط بسبب العمليات العسكرية للجيش في مالي. إلا أن الرأي العام الفرنسي شهد عكس ذلك.
- ثلاثة أقسام
أظهرت استطلاعات الرأي، تقدم الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون ومارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية (التجمع الوطني) اليميني المتطرف. إلا أنه وبعكس الانتخابات السابقة انقسمت السياسة الفرنسية إلى ثلاثة أقسام.
الأولى هي المجموعة التي تركز على سياسة معاداة الإسلام والمهاجرين. ومع حسن الاستقبال الذي أظهرته مؤخراً للمهاجرين الأوكرانيين الذين خرجوا من بلادهم عقب اندلاع الحرب، اتضح أن هذه السياسة تستهدف في الأساس المهاجرين من أصول إفريقية والمسلمين.
ومن أبرز ممثلي هذه المجموعة مارين لوبان وإيريك زمور.
أما المجموعة الثانية فهم الذين يفضلون الحفاظ على النظام الحالي، وعدم الانجرار إلى دوامة القلق والضبابية بسبب الحرب الأوكرانية الروسية وتداعيات وباء كوفيد-19.
ويعد الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، ممثل هذا التيار.
من الطبيعي أن يحاول القادة استغلال ردة فعل المجتمعات لحماية أنفسها وبحثها عن الأمان في حملاتهم الانتخابية.
وأعلن ماكرون خلال حملته الانتخابية أنه سيخرج بفرنسا وأوروبا من الأزمة الحالية، وسيسعى لإيجاد حلول للمشاكل التي يشهدها العالم بدلاً من زيادتها.
في مقابل ذلك، لم يقدم أقرب منافسيه من المرشحين اليمينيين أي مقترحات أو حلول للأزمات القائمة.
أما المجموعة الثالثة فهي التي تعارض وجهتي نظر المجموعتين الأُخريين، وأبرز ممثليها اليساري لوك ميلينكون.
وسعى ميلينكون للاستفادة من انقسام اليسار في فرنسا، وحاول أن يؤثر على الناخبين بإعلانه أنه سيدعم السياسات الاجتماعية من ناحية، وسيطبق نموذجا اقتصاديا أكثر ليبرالية من ناحية أخرى.
وبوجه عام لم يقدم المرشحون المتبنّون للخطاب اليساري أي مقترحات لإيجاد حلول للأزمات الموجودة، بل تبنوا استراتيجية استقطاب الجماهير عن طريق توضيح أضرار وأخطار اليمين المتطرف.
- العقلانية والاتزان
بلغت نسبة المشاركة بالجولة الأولى من الانتخابات 65 في المئة. أي أقل بـ 4 في المئة عن نسبة المشاركة بالانتخابات السابقة.
وكما أظهرت الاستطلاعات، حصل ماكرون على 27,6 في المئة من الأصوات، بينما حصلت أقرب منافسيه، مارين لوبان، على 23,2 ليتنافس الاثنان بالجولة الثانية.
وتقدم نتائج الانتخابات، بطريقة ما، إشارات بخصوص "كيف ينظر الشعب الفرنسي للأزمات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة؟" إذ أظهر الفرنسيون أن الخطاب اليميني المتطرف لم يلق استجابة كبيرة من قبل الشعب، وأنهم يرون ضرورة تطبيق سياسة خارجية أكثر عقلانية واتزاناً.
ومن الواضح أن ماكرون وفريقه ابتعدوا عن أي تصرفات أو خطابات يمكن أن تسبب عزلة سياسية واقتصادية لفرنسا. وكان ذلك تصرفاً عقلانيا إلى حد ما.
ويمكن القول إن ماكرون فهم قلق ومخاوف الشعب الفرنسي أكثر من غيره من المرشحين إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن المخاوف الأمنية هي التي تكون مسيطرة على المجتمعات في أوقات الأزمات.
من ناحية أخرى تحرك المرشحون الآخرون دون تفكير في ما ستسببه الخطابات العدائية التي لا تتوافق مع السياسة الواقعية.
ولا تزال سياسة الإقصاء والاستقطاب تلقى قبولاً لدى بعض الأوساط في المجتمع الفرنسي.
فبلغ مجموع الأصوات التي حصل عليها المرشحون الذين تبنوا خطابات قاسية عدائية وصلت لحد الحديث عن طرد الأجانب إلى حوالي 30 في المئة.
إلا أن نتائج الانتخابات أظهرت أن المجتمع لم يتقبل كثيراً هذه السياسات.
- الأوضاع الحالية
رغم كل الانتقادات، يهتم ماكرون بالدبلوماسية في الحرب الروسية الأوكرانية، ويحاول الحفاظ على علاقة متوازنة بين روسيا وأوكرانيا، والابتعاد عن أي تصرفات يمكن أن تؤدي الى تصعيد الأزمة.
ويجب أن نوضح أن الشعب الفرنسي دعم تطبيق ماكرون لهذه السياسة مع البقاء مرتبطاً بحلف شمال الأطلسي "ناتو".
واستقبلت إدارة ماكرون نحو مليون لاجئ أوكراني بالرغم من التضخم المتصاعد في البلاد. وحظيت هذه الإدارة بتأييد شعبي في الجولة الأولى من الانتخابات.
كما يجب التأكيد على أن المجتمع لم يصدق الموقف المتساهل مع اللاجئين الأوكرانيين من قبل المرشحين الذين يتبنون الخطاب المتطرف المعادي للمهاجرين.
من المؤكد أن ماكرون سيستغل الروح المعنوية المرتفعة لديه بعد نتائج الجولة الأولى ويؤسس كتلة لمواجهة لوبان.
وأعلن كثير من المرشحين من الآن أنهم سيدعمون ماكرون في الجولة الثانية.
وقابل ماكرون هذه التصريحات باستخدام لغة أكثر اعتدالاً تجاه المعارضة، وبالإعلان أنه سيتبع سياسة خارجية تهدف إلى إخماد الأزمة.
من المحتمل أن يفوز ماكرون في الجولة الثانية للانتخابات المزمع إجراؤها بعد أسبوعين. إلا أنه مع ذلك يتصرف بحذر.
إذ أن هناك حوالي 16 مليون ناخب لم يدلوا بأصواتهم في الجولة الأولى، وعند أخذهم بعين الاعتبار، يمكن أن يكون هناك احتمال ولو ضعيف بفوز مارين لوبان.