03 أغسطس 2017•تحديث: 03 أغسطس 2017
تونس/يامنة سالمي/الأناضول
في الوقت الذي تكافح فيه تونس لإنعاش قطاعها السياحي من جديد، بعد أن سجل تراجعًا حادًا بسبب "الإرهاب"، تظهر أزمة جديدة تلوح في الأفق وتتمثل في شحّ النقد الأجنبي، الذي أصبح عائقًا بشكل رئيسي أمام السياحة الخارجية للمواطنين في تونس.
واعتبر خبراء مختصون، في أحاديث مع "الأناضول"، أن الإجراءات التي تفرضها الحكومة على حركة النقد الأجنبي الخارج من البلاد، أدت إلى ظهور مصاعب لشركات السياحة والسفر لدى حجز التذاكر والفنادق في الخارج للسياح التونسيين.
وقبل أسبوع كشف رئيس الجامعة التونسية لوكالات الأسفار (مستقلة) محمد علي التومي في مؤتمر صحفي، عن "تهديد حقيقي لإيقاف نشاط 200 وكالة أسفار بسبب تضييقات مالية حكومية، فضلاً عن تبعات قانونية من الشركاء في الخارج، لأن تعهدات الوكالات تجاوزت السقف المحدد من طرف الحكومة، وهذا يهدد صورة تونس في الخارج".
وخصصت الحكومة التونسية للعام الجاري مبلغ 25 مليون دينار (10.2 مليون دولار) لتمويل النشاطات الخارجية لوكالات الأسفار العاملة في البلاد.
وتعمّقت أزمة إيرادات الدولة من العملة الأجنبية، بعد تراجع مداخيل القطاع السياحي بفعل العمليات الإرهابية، وتراجع الاستثمارات وتحويلات المغتربين، فضلاً عن الاضطراب المتواصل في صادرات الفوسفات، نتيجة الاضطرابات الاجتماعية في منطقة الحوض المنجمي (جنوب غرب البلاد).
ووفق إحصائيات نشرها البنك المركزي التونسي على موقعه الرسمي يوم 28 يوليو/تموز الماضي، فإن احتياطي العملة الأجنبية لا يتجاوز 11 مليار و966 مليون دينار (4.99 مليار دولار) أي ما يعادل 96 يوم توريد.
ويسجل سعر صرف الدينار التونسي انخفاضا مستمرا أمام اليورو والدولار، إذ يقدّر الدينار الواحد بـ 2.81 يورو، و2.47 دولار.
تراجع الاستثمار
وقال رضا الشكندالي، أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية، إن تراجع النقد الأجنبي نتيجة حتمية لمسارات النمو بعد الثورة وتوقف القطاع الخاص عن العمل وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، ما أدى إلى تراجع الإنتاج وتحقيق نسب نمو ضعيفة لم تتجاوز 0.9 بالمائة في الثلاثي الأول من العام الجاري."
وأضاف الشكندالي، في حديث مع "الأناضول": "كل هذا أثّر على دخول العملة الصعبة، إضافة إلى الاحتقان الاجتماعي الذي حصل في الجهات التي تحتوي ثروات طبيعية مصدّرة على غرار المناجم والبترول، ما قلّص من صادراتها".
وتابع: "نوعية السياحة الوافدة إلى تونس هي سياحة فقيرة وليست جالبة للعملة الصعبة ولا تحدث أي انعكاس على الاقتصاد وعلى التشغيل غير المباشر من خلال المهن المرتبطة بالسياحة".
وبحسب الخبير الاقتصادي فإن "اقتراض الحكومة بالعملة الصعبة من المجموعة البنكية العالمية أدى إلى شح كبير للعملة".
واستبعد أن "يكون لإجراء التخفيض من المبالغ المخصصة لنشاطات وكالات الأسفار الذي قامت به الحكومة انعكاسًا كبيرًا على اقتصادنا".
واعتبر أن "وكالات الأسفار قادرة على تنويع نشاطها وكسب السياحة الداخلية على حساب السياحة في الخارج، إذا لم تتحصل على العملة الصعبة التي تمكنها من مواصلة نشاطها".
وشدد على "ضرورة تنويع المنتوج الداخلي للسياحة كالسياحة الثقافية والصحية والأثرية، وعدم الاقتصار على السياحة الشاطئية".
شح النقد
من جانبه قال الصادق جبنون، الخبير في استراتيجيات الاستثمار، أن "من أسباب شحّ النقد الأجنبي الانخفاض المتواصل للدينار التونسي تجاه اليورو الذي يشهد ارتفاعًا متواصلًا في الفترة الأخيرة، نظرا للانتعاش الاقتصادي التي تعرفه منطقة اليورو، ونظرًا لضعف الاقتصاد التونسي من حيث القيمة المضافة والصناعة".
وقال جبنون إن "سياحة التونسيين في الخارج ليست قطاعًا استراتيجيًا بالنسبة للاقتصاد التونسي، وقد تتسبب في عجز فادح في الميزان التجاري وبأزمة اقتصادية خانقة".
وأردف قائلًا "المطلوب استقطاب العملة الصعبة من الخارج والداخل وليس خروجها من تونس".
ولفت جبنون إلى أن "إجراء الحكومة المتعلق بمنع الشراء ببطاقة الفيزا كارد من الخارج في خطوة للحفاظ على احتياطي العملة الصعبة هي خطوات جزئية".
وتابع "الخطوات الرئيسية لم تتخذ بعد، وهي تفعيل القيود الاحتياطية المنصوص عليها في اتفاقية منظمة التجارة الدولية، وإعادة التفاوض في الاتفاقيات التجارية مع تركيا والصين وإيطاليا والمملكة المتحدة".
ولفت إلى "وجود سوق واعدة للسياحة الوافدة، وهي السوق الصينية التي ستصدّر، قريبًا 120 مليون سائح سنويًا إلى الخارج". داعيًا بلاده إلى "استقطاب السائح الصيني الذي ينفق كثيرًا ويخرج بمنحة سياحية تقدر بـ35 ألف دولار أي أن له إمكانية إنفاق عالية".
كما دعا إلى "استعادة ثقة السائح الأوروبي بتوفير الشروط الرئيسية أهمها الأمن وسلامة البيئة في الشواطئ وحسن تجهيز البنية التحتية في المناطق الساحلية".
عملة صعبة
بدوره، قال مراد الحطّاب الخبير الاقتصادي المختص في المخاطر المالية، إن "المشكلة في تونس تكمن في التوريد الذي يتجاوز طاقة البلاد، فالتوريد وصل في حدود 23.6 مليون دينار (9.8 مليون دولار) في يونيو/حزيران الماضي، حسب إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء (حكومي)".
وأكد أن "ارتفاع التوريد أثّر على بعض القطاعات التي تعتمد تحويلات للعملة الصعبة، على غرار قطاع وكالات الأسفار باعتبار أن لها أنشطة تتطلب الإنفاق بالعملة الأجنبية".
وزاد "إجراء وحيد يستوجب القيام به للحفاظ على العملة الصعبة وهو منع استيراد أي منتوج غير مطابق للمعايير الصحية المعمول بها في العالم وللمواصفات التونسية".
ارتفاع الطلب
من جهة أخرى، قال فهمي الحوكي مدير المصالح المشتركة في وزارة السياحة، خلال تصريحات إعلامية سابقة، إن "ارتفاع الطلب القياسي من وكالات الأسفار هذه السنة دفعنا لإجراء جلسات تقييمية باكرًا.. نحن بصدد البحث عن حلول عاجلة لمسألة السقف مع البنك المركزي".
وتنشط في تونس أكثر من 700 وكالة أسفار بصفة قانونية ومنظمة وفق أرقام الجامعة التونسية للنزل.
وتتولى وكالات الأسفار في تونس الحجوزات الخاصة بالتنقل والإقامة والمرافقة للمسافر في الدولة المقصودة، وارتفعت الحجوزات التي قامت بها في السنوات الأخيرة تماشيًا مع تحسن مستوى معيشة التونسيين وإقبالهم على السفر للخارج.