ليث الجنيدي / الأناضول
** المحلل العسكري والاستراتيجي الأردني هشام سليمان خريسات للأناضول:لم يصمد الرصيف العائم الذي دشنته الولايات المتحدة قباله شواطئ قطاع غزة، في 17 مايو/ أيار، سوى عدة أيام فقط، إذ انفصلت أجزاء منه جراء تعرضه لأمواج هائجة في الـ25 من الشهر ذاته؛ ما دعا الولايات إلى الإعلان الثلاثاء عن إزالته مؤقتا من أجل إصلاحه.
الأمر الذي عده محلل عسكري واستراتيجي أردني، في حديث مع "الأناضول"، "إخفاقا ذريعًا للهندسة الأمريكية"، مرجعا هذا الإخفاق إلى عدم خبرة واشنطن في بناء مثل هذه "الموانئ التعبوية"، والتعجل في بناء الرصيف على حساب الاتقان، والفشل في اختيار الموقع، إلى جانب ارتكاب "أخطاء فنية قاتلة" في التنفيذ.
واعتبر هذا الخبير أن هناك "مصالح خفية" لإسرائيل والولايات المتحدة من وراء هذا الرصيف بخلاف ما يتم ترويجه من أن "هدفه إنساني"، ومن هذه المصالح: تهجير فلسطيني غزة طوعًا، ومساعدة إسرائيل على فرض سيطرتها الكاملة على منافذ القطاع البرية، واستخدام الرصيف كقاعدة أمريكية متقدمة، والاستيلاء على غاز غزة.
** من البناء للإزالة
وفي 16 مايو، أعلنت القيادة المركزية بالجيش الأمريكي "سنتكوم" الانتهاء من بناء الرصيف البحري العائم قبالة شواطئ غزة، قبل أن تبدأ عبره نقل "كميات محدودة" من شاحنات المساعدات إلى القطاع في اليوم التالي (17 مايو).
لكن بعد ذلك بعدة أيام (25 مايو)، انفصلت أجزاء من هذا الرصيف، ووصلت إلى شاطئ مدينة إسدود الإسرائيلية "جراء الأمواج القوية"، وفق ما أفادت القناة "12" العبرية الخاصة.
وأضافت القناة، آنذاك، أن "القوات البحرية الإسرائيلية تساعد في ربط الجزء المنفصل الذي جرفته الأمواج".
لكن جهود إصلاح الرصيف البحري، على ما يبدو، باءت بالفشل، لتعلن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) الثلاثاء (28 مايو) إن الرصيف ستتم إزالته لإجراء إصلاحات به، وسيُعاد فور الانتهاء من تلك الإصلاحات.
وذكرت المتحدثة باسم البنتاغون سابرينا سينغ، في تصريحات صحفية، أن إصلاح الرصيف البحري "سيستغرق أسبوعًا وسيجري في ميناء أسدود".
ويأتي ذلك رغم التكاليف الباهظة لإنشاء هذا الرصيف، التي بلغت نحو 320 مليون دولار، وفق إعلام أمريكي.
** "4 أسباب للإخفاق"
من جانبه، اعتبر المحلل العسكري والاستراتيجي الأردني، هشام سليمان خريسات، أن "تفكك" الرصيف الأمريكي العائم بغزة يُؤكد "إخفاق الهندسة الأمريكية في الموانئ التعبوية".
وأضاف خريسات، للأناضول، أن هذه الواقعة أدت إلى "اهتزاز صورة واشنطن حول العالم لوجستيًا وهندسيًا وفنيًا وتعبويًا".
وأرجع خريسات، وهو عميد متقاعد من الجيش الأردني، تعطل الرصيف بعد أيام من تشغيله إلى 4 أسباب؛ أولها عدم خبرة الجيش الأمريكي في بناء مثل هذه "الموانئ التعبوية" إن "جاز لنا أن نطلق عليه ذلك الوصف"؛ فهو "التجربة الأولى له"، واصفا ما بنته واشنطن بأنه "منصة عائمة تتلاطمها الأمواج".
أما السبب الثاني فهو "التعجل في بناء هذا الرصيف العائم على حساب الاتقان"، وجراء ذلك نجد أن بعض قطعه "مختلفة الطول والحجم، وكان بعضها ضعيفًا ولم يتحمل آلاف الأطنان من الثقل".
وبين خريسات أن "السرعة حرمت الشركة الصانعة للرصيف من إجراء التجارب عليه؛ فالتجارب بدأت في غزة مع نزول أطنان المساعدات عليه".
يعد السبب الثالث فنيًا، ويظهر "أخطاءً هندسية قاتلة" وقع فيها مهندسو الجيش الأمريكي رغم الإمكانيات الكبيرة؛ إذ "كان مطلوبا من المهندسين أن يربطوا الرصيف ربطًا مباشرًا باليابسة، لكنهم بنوه على بعد 12 كيلو مترًا من الشاطئ، وعلقوه بالهواء دون توفير أرضية يستند عليها؛ بسبب خوفهم من هجمات الفصائل الفلسطينية"، وفق المحلل العسكري.
وأضاف خريسات أن السبب الرابع هو الموقع المختار للرصيف، معتبرا أنه "وجه آخر للفشل"؛ حيث أن هناك مواقع أكثر أمانا من وجهة نظر هندسية.
لكنه رأى أن الأمريكان حرصوا على اختيار موقع قريب من حقل غاز "غزة مارين"؛ "رغبة منهم في السيطرة عليه".
وتعرقل إسرائيل استفادة الفلسطينيين من حقل "غزة مارين" المكتشف منذ نهاية تسعينات القرن الماضي، ويُقدر احتياطاته بـ1.1 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، أي 32 مليار متر مكعب.
** "5 مصالح خفية"
المحلل العسكري والاستراتيجي الأردني سلط الضوء على 5 مصالح سياسية خفية لإسرائيل والولايات المتحدة من وراء إنشاء هذا الرصيف، على خلاف ما يتم تصويره من جانب واشنطن وتل أبيب من أنه "خطوة إنسانية".
واعتبر خريسات أن "فشل الميناء ليس مقصودًا؛ إذ أن الولايات المتحدة بأمس الحاجه له" لتحقيق عدة مصالح.
وأوضح أن بايدن سعى من وراء هذا الرصيف إلى "تجميل صورته أمام الشارع الأمريكي" الذي يتصاعد الغليان فيه جراء الدعم الأمريكي المطلق لحرب إسرائيلية في غزة أدى إلى مقتل وإصابة أكثر من 118 ألف فلسطيني غالبيتهم من النساء والأطفال.
فـ"بايدن يسعى إلى تحقيق نتائج إيجابية بالانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، والشارع الأمريكي مُنقلب عليه لدعمه الحرب الدموية على غزة".
كما أشار خريسات إلى أن الولايات المتحدة أرادت "سرعة فرض هذا الرصيف كأمر واقع وبديل عن المعابر البرية" خدمة لإسرائيل التي ترغب في فرض سيطرتها الكاملة على كامل معابر القطاع البرية لتشديد الحصار والضغوط عليه، دون إثارة استنكار دولي واسع عبر منفذ بحري تتحكم فيه كذلك.
تهجير أهالي غزة سبب أخرى لبناء هذا الرصيف البحري، وفق خريسات، الذي أكد أن "الهدف المعلن من الرصيف هو إيصال المساعدات الإنسانية، لكن الهدف المخفي هو التهجير الطوعي للفلسطينيين".
وأردف أن "الولايات المتحدة تريد، كذلك، من الرصيف أن يكون قاعدة بحرية متقدمة، تضم غواصات نووية أمريكية وإسرائيلية، بما يتيح لها التدخل الفوري لإنقاذ إسرائيل".
ولفت خريسات، أيضًا، إلى أن الرصيف العائم يحقق مصلحة أخرى لإسرائيل ترتبط بممر نتساريم الذي أقامته، ويفصل شمال قطاع غزة عن جنوبه.
وأوضح أن "ممر نتساريم سيتم وصله بطريق دولي عريض مع ميناء بايدن العائم"؛ بحيث "يكون الممر والمبناء بمثابة قاعدة عسكرية متقدمة ومتطورة لإسرائيل".
لذلك، وفق خريسات، "نجد محور نتساريم حاضرًا بكل ورقة تفاوض (مع الفصائل الفلسطينية) لوقف إطلاق النار، وصاحب الصدارة وحصة الأسد بالمفاوضات؛ لأن من يسيطر عليه يحكم غزة إلى الآبد".
ونظرا لكل هذه المصالح، شدد المحلل العسكري الأردني على أن الولايات المتحدة ستسعى لإصلاح هذا الرصيف العائم بـ"أسرع وقت ممكن".
news_share_descriptionsubscription_contact
