إسطنبول/ نورشين آتش أوغلو غوني/ الأناضول
- أدرك الأفغان أن واشنطن تركتهم لمصيرهم وتخلت عن حلم إنشاء أفغانستان الجديدة التي طالما حلموا بتأسيسهاتابع المجتمع الدولي خلال الأيام الماضية مشاهد مأساوية بمطار كابل بأفغانستان. وسيطرة طالبان السريعة على البلاد مع الانسحاب الأمريكي بداية النهاية لكثيرين.
وأدى الانسحاب السريع وغير المخطط للولايات المتحدة إلى إثارة حالة من الذعر والقلق لدى البعض، فراحوا يلقون بأنفسهم أمام الطائرات والمروحيات للهروب من طالبان.
- انتهاء حلم "تأسيس أفغانستان الجديدة"
ليس من الصعب تفهم الخوف والذعر الذي أدى إلى الفوضى التي شهدها العالم في مطار كابل.
فالإجراءات القاسية التي نفذتها طالبان والأوضاع التي جرت البلاد إليها في التسعينات لا تزال عالقة في الأذهان.
وأدرك الأفغان أن واشنطن تركتهم لمصيرهم وتخلت عن حلم إنشاء أفغانستان جديدة التي طالما حلموا بتأسيسها. كما ادركوا أن الولايات المتحدة لم تفكر بهم في الاتفاقات التي عقدتها، وأنه تم خداعهم وتركهم، وفي النهاية تم تحميلهم مسؤولية الفشل.
من الطبيعي أن يتم انتقاد إدارة بايدن على تسببها في تلك الفوضى، وأن تحاول تلك الإدارة اختلاق ذرائع عدة لتقديمها للرأي العام الداخلي.
وفي تصريحاته يتهم بايدن الأفغان وإدارة ترامب في التسبب بما حدث. وهو أمر عادي، أما الأمر الغريب فهو أن يُقابل ذلك باندهاش وكأنه شيء مفاجئ لم يحدث من قبل. فعادة ما قدمت الولايات المتحدة وعوداً كثيرة لشعوب الدول التي تدخلت فيها عسكريا بحجة "جلب الديمقراطية" إلا أنها لم تحقق سوى القليل جداً من هذه الوعود.
وفي الحقيقة إن "انعدام الثقة" والشك في جدوى التدخل العسكري الأمريكي في أي دولة هي مشكلة كبيرة وخطيرة لدرجة أنها لا يمكن ربطها بأسماء وهويات الرؤساء الأمريكيين.
منذ ظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى في بدايات القرن العشرين والرؤساء الأمريكيون يتدخلون عسكريا خارج حدود الأراضي الأمريكية بذرائع مختلفة كجزء من استراتيجية الأمن والسياسة الخارجية.
من هذه البلاد على سبيل المثال لا الحصر أفغانستان، وفيتنام، وغواتيمالا، والسلفادور، وبنما، وكوبا، ونيكاراغوا، والكونغو، وكمبوديا.
وما يجعل نموذج أفغانستان مختلفاً عن النماذج الأخرى ليس فقط المآسي التي عاشتها، والقوات المتعاونة التي تخلت عنها الولايات المتحدة، بل قيام واشنطن نفسها بإنكار كل أهداف الاستراتيجيات والعملية العسكرية التي بدأتها منذ عام 2001.
فوفقاً لما قاله بايدن فإن الولايات المتحدة لم يكن لديها أبداً أي نية لإنشاء أفغانستان جديدة ولذلك فإنه في حال لم يحارب الأفغان في هذه الحرب المستمرة منذ سنوات فإنه لن يُسمح للجنود الأمريكيين بالمشاركة فيها.
إلا أن الكتب التي تتحدث عن إنشاء دولة جديدة وأمة جديدة في أفغانستان لا تزال موجودة في مكتباتنا. والحكايات التي ظل يرويها الدبلوماسيون والخبراء في موضوع إنشاء أفغانستان منذ عشرين عاماً لا يزال صداها في آذاننا.
لم تكتفِ إدارة بايدن في التخلي عمن وثقوا فيهم وتركهم بمفردهم في مواجهة قوة كانت تصفها حتى عام 2020 بأنها "راديكالية" بل تسعى لتصفير التاريخ السياسي لهذا الفشل.
وتتوقع أن ينسى الجميع ما حدث أو أن يتذكروه بشكل مختلف. ولذلك فإن مأساة أفغانستان تختلف تماماً عن المآسي الأخرى التي تسبب فيها التدخل العسكري الأمريكي في دول أخرى.
لماذا تسعى الولايات المتحدة جاهدة لجعل الجميع ينسون هذا الفشل؟ ببساطة لأن ما يحدث في أفغانستان يؤثر على موثوقية ومصداقية الولايات المتحدة الأمريكية في العالم.
- واشنطن لم تتشاور مع حلفائها
لم تستشر الولايات المتحدة الأفغان قبل أن تتركهم، كما لم تستشر حلفاءها الغربيين الذين طلبت مساعدتهم في بداية العملية في عهد الرئيس بوش الابن.
ومن المعروف أن الغرب لم يعجبه هذا التصرف الأحادي الجانب من واشنطن. ولم تكن هي المرة الأولى التي تقدم فيها واشنطن على تصرف مثل هذا. ف
في فترة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي أطلقت الولايات المتحدة صاروخي ثور، وجوبيتر من أراضي دول في حلف الناتو ودون أن تخبر هذه الدول أو تستشيرها، مما دفع الكثير من الدول الأوروبية آنذاك لإعادة التفكير في موضوع "الاستقلال الاستراتيجي".
عقب إعلان واشنطن خطتها لترك أفغانستان لحقت بها على وجه السرعة العديد من الدول الأوروبية.
ورأينا كيف أن الدول الأوروبية التي كثيراً ما دافعت عن القيم الأوروبية وحقوق المرأة وحقوق الإنسان والعديد من القيم الليبرالية والعالمية، أخلت سفاراتها في أفغانستان حتى آخر قطعة أثاث دون حتى إخبار المواطنين الأفغان العاملين معهم في السفارات.
خلال عهد ترامب أصبحت الاستراتيجيات غير المسؤولة للولايات المتحدة مشكلة كبيرة للغرب وحتى اليوم لم يتغير هذا الوضع. وبالطبع سيكون هناك من سيرون في هذه المشكلة فرصة كبيرة بالنسبة لهم.
الحرب الباردة الجديدة
بدأت المنافسة الجيوسياسية بين القوى الثلاثة الكبرى الولايات المتحدة وروسيا والصين في شرق المتوسط وفُتحت جبهة ثانية للمنافسة بينها في البحر الأسود والقوقاز.
ولن نتفاجأ إذا ما ظهرت جبهة تنافس جديدة في خط وسط آسيا- أفغانستان- جنوب آسيا. وسينضم الغرب لهذه المنافسة متأثراً بالجراح التي تسبب فيها الانسحاب.
مع الأسف لا تزال أوروبا ترى أفغانستان مجرد مكان لتصدير الإرهاب واللاجئين.
ولن تتمكن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من تطوير سياسات يمكنها تحقيق الاستقرار في أفغانستان طالما ظلا يتجاهلان تكلفة الاستراتيجيات الفاشلة في أفغانستان.
من المحتمل بقوة أن تترك القوى المتنافسة وعلى رأسها الولايات المتحدة اليوم أو غداً، مصير الشعب الأفغاني في يد طالبان وأن تسعى للحصول على مكاسب استراتيجية من ذلك. وحتى لو تغيرت طالبان فإن الطرف المتضرر سيبقى هو الشعب الأفغاني.
في النهاية، بغض النظر عن الطرف الرابح في هذا الصراع الجيوسياسي، سيظل الشعب الأفغاني هو الطرف الخاسر.
في الخلاصة نوصي بأن تستخرج الدول والفاعلين من غير الدول التي تعمل بالوكالة لصالح واشنطن في كل أرجاء العالم، الدروس والعبر من المأساة التي تحدث في أفغانستان.
----------------
الكاتب: بروفيسور/نورشين آتش أوغلو غوني. عضو هيئة التدريس بقسم العلاقات الدولية جامعة نيشانتاشي.
news_share_descriptionsubscription_contact
