طرابلس / جهاد نصر / الأناضول
جاء الإعلان المفاجئ للجنرال خليفة حفتر قائد قوات مجلس النواب الليبي، أمس الأحد، بأن" فترة صلاحية الاتفاق السياسي (الصخيرات) قد انتهت بحلول 17 ديسمبر"، ليحير المتابعين ويزيد المشهد تعقيداً.
حديث حفتر جاء، خلال كلمة متلفزة وجهها لليبيين بالتزامن مع حلول يوم 17 ديسمبر/كانون الأول، وهو تاريخ تعتبره بعض الأطراف في ليبيا موعدا لانتهاء مدة المجلس الرئاسي الذي لطالما قالت البعثة الأممية إلى ليبيا إنه "غير صحيح" .
ما يدفع على الحيرة هو توقيت الإعلان، كون حفتر كان قد انخرط مؤخراً، في لقاءات واجتماعات ومبادرات تصب جميعا في بوتقة الوفاق الليبي، وهو ما قوبل بالترحاب من قبل أطراف كثيرة في العملية السياسية بالبلاد.
حفتر، الذي استقبل في مكتبة قبل ثلاثة أشهر، غسان سلامة مبعوث الأمم المتحدة والراعي للحوار والاتفاق السياسي، جعل سياسيين يؤكدون أن خطوته الأخيرة لها ما ورائها، كونها تبدو "مدروسة وكانت المفاجئة والحسم" أهم أركانها لشل الموقف العام في البلاد.
بيد أن السؤال المباشر، الذي تبادر للأذهان، يتعلق بماهية الأهداف التي يسعى حفتر لتحقيقها من وراء هكذا إعلان، لم يتحصل من ورائه سوي بعض المؤيدين الذين خرجوا في مظاهرات بـ "الكيش" ببنغازي (شرق)، و"الجزائر" بطرابلس (غرب)، يقول مراقبون، فضلا عن التداعيات المتوقعة التي يرنو إليها الجنرال الغامض.
ويرى محلل سياسي وأكاديمي ليبي تحدث للأناضول، أن خطوة حفتر تنطوي على هدفين أساسيين، أولهما تخفيف الضغط عليه من قبل حلفائه الذين دعموا الحوار، من خلال احتمائه بالليبيين، والثاني تقوية موقفة أكثر في جولات الحوار القادمة برعاية أممية.
فيما يرى محلل ليبي آخر، تحدث للأناضول، بشكل منفصل، أن "رسالة حفتر موجهة في الأساس للمجتمع الدولي، ومفادها أنه قادر علي إيقاف عجلة الحوار"، من دون أن يكون للإعلان أي تأثير داخلي.
فرج الجافل، أستاذ العلوم السياسية بالجامعات الليبية، يقول، إن "أحدا لم يتوقع أن يعلن حفتر تلك الخطوة كونه انخرط في الفترة الأخيرة في الحوار واستقبل المبعوث الأممي وأعلن قبل أسبوع من روما دعمه للانتخابات التي هي ضمن خارطة الطريق التي أعلنها سلامة".
الجافل يضيف أن سياسة خليفة حفتر، التي يتبعها مع المحيطين به والتي تتسم بالسرية التامة، تجعل من توقع خطواته أو حتي أهدافها "أمر غاية في الصعوبة"، مؤكدا في الوقت ذاته أن " للأمر ما ورائه".
وحول ما إذا كان هناك إمكانية للتنبؤ بهدف حفتر مما أعلنه أمس يقول الأكاديمي الليبي إنه "إذا تتبعنا تصرفات ومواقف حفتر فسنجد أهدافه جميعها تظهر بعد فترة من خطواته، أي أنه لا يرجو عادة أهداف أو نتائج مباشرة من خطواته التي يتخذها".
ويوضح "لنكن أكثر دقة، أرجح أن هدف المشير من إعلان رفض خضوعه لأي سلطان هو تحقيق أمرين، الأول تخفيف الضغط الدولي علية خاصة من حلفائه الذين أعلنوا دعمهم للحوار مثل مصر وروسيا".
ويلفت الجافل أن "ما يفعله الرجل حاليا هو الاحتماء بالشعب كعادته في ذلك (..)، وأظنه نجح نوعاً ما بعد خروج مظاهرات داعمة له في بنغازي وطرابلس، أرسل حفتر من خلالها رسالة للمجتمع الدولي مفادها أنه محمي من الشعب وليس وحيدا".
وعن ثاني أهداف الجنرال يقول "هو أيضا يسعى لتقوية موقفة أكثر في جولات الحوار القادمة وخاصة مرحلة المؤتمر الجامع، التي تعتزم الأمم المتحدة إطلاقها خلال الفترة المقبلة، بعد انتهاء مرحلة تعديل بنود الاتفاق".
ويوضح "هي مرحلة سيتم خلالها تحديد جميع من سيكون في المناصب القيادية في الدولة الليبية أي أنها مرحلة تتطلب ثقلاً من نوع خاص وهو ما يسعى حفتر لتكوينه حاليا"، بحسب قوله .
وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي اختتمت في تونس ثاني جولات مفاوضات تعديل الاتفاق السياسي الليبي، بمشاركة لجنتي حوار من مجلس النواب في طبرق (شرق) والمجلس الأعلى للدولة (طرابلس)، برعاية البعثة الأممية بالبلاد.
وفور انتهاء تلك الجولة، سلم المبعوث الأممي سلامة مجلسي النواب والدولة صيغة موحدة مكتوبة تتضمن جميع التعديلات على الاتفاق الموقع في المغرب قبل عامين.
وتعتمد الخارطة، التي طرحها سلامة، 3 مراحل من المفترض أن تنتهي الأولى والثانية خلال عام، بحسب الخط الزمني المحدد بالخارطة.
وتنص الخارطة في مرحلتها الأولى، على وجوب "تعديل (اتفاق الصخيرات)، قبل المرور إلى المرحلة الثانية التي تشمل عقد مؤتمر وطني يهدف لفتح الباب أمام المستبعدين (من جولات الحوار السابق).
وتأتي المرحلة الثالثة بعد عام من العمل، وتشمل إجراء “استفتاء لاعتماد الدستور”، يلي ذلك، وفي إطار الدستور الجديد، "انتخاب رئيس وبرلمان"، والوصول إلى هذه النقطة يؤشر إلى "نهاية المرحلة الانتقالية".
ووقعت أطراف النزاع الليبية، في ديسمبر/ كانون الأول 2015، اتفاقا لإنهاء أزمة تعدد الشرعيات، تمخض عنه مجلس رئاسي لحكومة الوفاق، ومجلس الدولة، وتمديد عهدة مجلس النواب في مدينة طبرق.
وبعيدا عن أهداف الإعلان الأخير لحفتر، بحثت الأناضول عن تداعياته، فجاءت الإجابة علي لسان فضل المبروك، رئيس قسم الشؤون السياسية بصحيفة النور الليبية، الذي قال :"داخليا لن يكون لإعلان حفتر أي تأثير يذكر سوي تلك المظاهرات التي خرجت".
وأكد المبروك أن "ما قام به المشير سيكون له تداعيات دولية تتمثل أولا في تغييرات ستطال خارطة التحالفات خاصة الأجنبية منها".
وفسر كلامه قائلاً: "داخليا حفتر أعلن أكثر من مره أن هدفه دخول طرابلس، لكنه أكد أنه لن يدخل لها بالمعارك، وهو أمر واقعي جداً لأن الدخول هناك في ظل وجود كل تلك المليشيات المسلحة أمر صعب وسيكون هناك بحر من الدماء".
وتابع "يعني ذلك أن ما أعلنه حفتر الأحد هو رسالة ليست موجهة للداخل بل للمجتمع الدولي، الذي بات يترقب خلال الفترة الحالية أكثر مما يعمل، ويتحكم ويبادر، كما كان في فترة سابقة من عمر الأزمة الليبية".
"رسالة حفتر تقول للمجتمع الدولي أنه قادر علي إيقاف عجلة الحوار"، أوضح المبروك .
وفي كلمته أمس الأحد قال حفتر إن "المواطن الليبي يشعر اليوم أن صبره قد نفد، وأن مرحلة الاستقرار والنهوض التي انتظرها ودفع من أجلها الأرواح قد أصبحت بعيدة المنال مع تشابك المصالح الدولية في الأزمة وسقوط الوعود الأممية وتعهدات الساسة المنخرطين في مسارات ما يسمى بالوفاق".
وأضاف "ونشهد مع مطلع يوم السابع عشر من ديسمبر بكل مرارة وأسف مؤشرات دخول الدولة الليبية في مرحلة خطرة تنذر بتدهور حاد في كافة الشؤون المحلية بلا استثناء، وقد يمتد مداه إلى الأطراف الإقليمية والدولية ويفتح الأبواب أمام كل الاحتمالات".
وأكد أن "جميع الحوارات التي كانت بين المتصارعين على السلطة انتهت جميعها بحبر على ورق".
وأشار حفتر إلى أن قيادة قواته تواصلت مع المجتمع الدولي لتجاوز الأزمة، وقدمت مبادرات للدفع بالعملية السياسية، وحذرت من مغبة إطالة الأزمة، ونبهت إلى ضرورة الإسراع في دفع الأطراف المتصارعة على السلطة إلى حل شامل قبل تاريخ 17 ديسمبر/كانون الأول 2017.
وأرجع عدم التوصل إلى حل للأزمة إلى "التراخي الأممي، والعناد المحلي، وتغليب الذات على مصلحة الوطن والشعب، أدت جميعها إلى انقضاء الأجل دون تقديم أي ضمانات تؤدي إلى حل شامل وعادل".
وكشف حفتر أن قيادة قواته تعرض لـ "التهديد والوعيد" باتخاذ إجراءات دولية صارمة في مواجهتها إذا ما أقدمت على أي خطوة خارج نطاق المجموعة الدولية وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا".
وبعد أن أبدى رفضه القاطع لأسلوب التهديد والوعيد، أعلن "انصياعنا التام لأوامر الشعب الليبي الحر دون سواه"، من دون مزيد من التفاصيل.
ويعارض خليفة حفتر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، الذي يعتبره غير شرعي، لأنه لم يحصل على ثقة مجلس النواب في طبرق، بينما يطالب المجلس الرئاسي بخضوع حفتر لسلطته.
news_share_descriptionsubscription_contact
