إسطنبول / الأناضول
تعتبر حركات الهجرة ظاهرة ظلت دائمًا على جدول الأعمال في سياق أسباب وظروف مختلفة منذ انهيار الدولة العثمانية وحتى يومنا هذا.
السياسات الخارجية للدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وتدخلاتها العسكرية ضد الدول الأخرى، تؤدي باستمرار إلى حدوث موجات هجرة في منطقة الشرق الأوسط.
إن السياسات الخارجية الخاطئة والعدوانية التي ينتهجها الغرب تفضي في أغلب الأحيان إلى نزوح الناس في الشرق الأوسط.
وأهم الأمثلة التي تبرز بهذا السياق هي أفغانستان والعراق وفلسطين وسوريا، رغم أن أكبر صادرات صناعة الحرب الضخمة في الولايات المتحدة يُنظر إليها على أنها أسلحة، إلا أن أكبر صادراتها هي في الواقع المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين.
عندما ننظر إلى ماضينا القريب، ناهيك عن فترات الحربين العالميتين الأولى والثانية، نرى أن التدخلات العسكرية الأمريكية أدت إلى تحركات هجرة كبيرة في الشرق الأوسط. إن نماذج الاستراتيجيات والمقاربات التي طرحتها الأركان العسكرية الأمريكية تعني الموت والدمار لشعوب الشرق الأوسط.
هجرة العراق التي لا تنتهي
ومن الصعب حتى متابعة عدد العمليات والاحتلالات العسكرية الأمريكية ضد العراق، وخاصة بعد الفترة التي بدأت بحرب الخليج الأولى، أدت السياسات التي نفذتها الولايات المتحدة تجاه العراق إلى حركات هجرة كبيرة.
ولم يتم العثور إطلاقا على أسلحة كيميائية في العراق الذي احتلته الولايات المتحدة وبريطانيا بالكذب على الرأي العام العالمي.
مع ذلك، تسبب الاحتلال إلى وصول عدد اللاجئين لنحو 2 مليون في جميع أنحاء العالم، وفي عام 2007 كان هناك مليونا عراقي اضطروا للهجرة إلى دول المنطقة و1.9 مليون نزحوا داخل العراق.
وبعد وقت قصير من القرار الأميركي بالانسحاب من العراق في عهد إدارة باراك أوباما، ظهر تنظيم "داعش" الإرهابي وحوّل المنطقة إلى ساحة مشتعلة.
إن "داعش" الذي ألحق أضرارا كبيرة بالعالم أجمع وبالمنطقة بشكل خاص، ظهر نتيجة السياسات والتوجهات التي نفذتها الولايات المتحدة في العراق.
فعلى سبيل المثال، أدى إبقاء أعضاء تنظيم "القاعدة" الإرهابي المسجونين من قبل الولايات المتحدة وأعضاء "حزب البعث" العراقي السابقين معًا في سجن معسكر بوكا إلى التعارف بين أفراد الفريق القيادي الذي سيخلق تنظيم "داعش".
وفي واقع الأمر، في ذلك السجن، تأسست علاقة بين ما يسمى بزعيم "داعش"، أبو بكر البغدادي، والقيادة البعثية السابقة وعلى أساسها قاموا بتوحيد صفوفهم.
وفي وقت لاحق، هزم التحالف الدولي بقيادة واشنطن بجانب الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران تنظيم "داعش" في العراق عسكريا، وبالتالي تمت استعادة السيطرة على جميع المناطق.
لكن ذلك تم بطريقة أدت إلى تدمير الفلوجة والرمادي والموصل، وهي مدن عراقية يشكل العرب السنة غالبية سكانها، ونتيجة لهذا الدمار ارتفع عدد النازحين داخل العراق من 1.2 مليون عام 2017 إلى 2 مليون عام 2019.
كارثة أفغانستان
مما لا شك فيه أن هجرات الأفغان هي واحدة من أكبر موجات الهجرة التي تسببت بها الولايات المتحدة، فبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول فعلّت واشنطن المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأطاحت بحكومة طالبان واستبدلتها بحكومة أفغانية تتألف من أمراء الحرب السابقين.
وطيلة مهمة أفغانستان، التي شكلت القوات الأمريكية والبريطانية الغالبية فيها، وقعت مذابح في البلاد قُتل فيها عشرات بل مئات من المدنيين.
كما قُتل آلاف المدنيين الأفغان باستخدام أسلوب "الأضرار الجانبية" تحت مسمى استهداف طالبان، وكأن القصف الأمريكي والبريطاني لم يكن كافياً، جاءت الحكومة الأفغانية الجديدة لتفرض صعوبات كبيرة وضغوطاً كبيرة على شعوب المنطقة، واضطر الكثير من الأفغان للعيش في ظل حكم استبدادي والقنابل، ما دفعهم إلى الفرار من البلاد، وكان البعض يفر إلى بلدان أخرى خوفًا من جرائم طالبان.
وفي النهاية، وبعد أكثر من 20 عامًا على الوجود والقصف الأمريكي، انسحبت الولايات المتحدة وخضعت أفغانستان لسيطرة طالبان مجددا، وما تبقى من السياسة الأمريكية الفاشلة هو بلد في حالة خراب ودمار وآلاف المدنيين القتلى وتريليونات الدولارات المنفقة على صناعة الحرب.
ونتيجة لكل هذا الدمار، ظهرت مشكلة لاجئين أفغان كبيرة في البلدان المجاورة، وخاصة باكستان وإيران، وظهرت حركة هجرة كبيرة لدرجة أن العديد من الأفغان وصلوا إلى تركيا وحتى أوروبا بشكل غير قانوني. وعندما ضبطت سلطات تلك البلدان هؤلاء الأشخاص، أعادتهم إلى أفغانستان.
ومن ناحيتها، لجأت الحكومة الباكستانية إلى إعادة الأفغان المهجرين قسرا وغير المسجلين إلى بلادهم.
تقليد روسيا في سوريا
ظهرت مشكلة المهاجرين أيضا في سوريا بسبب التحالف الغربي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية.
ورغم أن الحكومة السورية وإيران وروسيا يُنظر إليهم على أنهم مسؤولون عن هروب الغالبية العظمى من اللاجئين من سوريا، إلا أن هناك حركة هجرة منفصلة سببتها الولايات المتحدة بعد أن نفذت قصفا وحشيا بمحافظة الرقة، مماثلا للذي نفذته روسيا في حلب وحمص والغوطة وإدلب.
الولايات المتحدة التي أرادت إدخال تنظيم "واي بي جي" الإرهابي إلى الرقة بحجة تطهير المدينة الواقعة شرق نهر الفرات من تنظيم "داعش" دمرت الرقة فعلياً، واستحالت إلى مدينة أشباح لفترة نتيجة القصف المكثف.
وبالإضافة إلى حركة الهجرة الناتجة عن القصف الأمريكي على "داعش" هناك هجرة بطيئة ولكنها مستمرة نتيجة للسياسات الأمريكية، كما أن هيمنة "واي بي جي" التي فرضتها الولايات المتحدة تخلق انزعاجًا كبيرًا لدى سكان المنطقة، حيث يفرض التنظيم الإرهابي أيديولوجيته وإدارته على سكان المنطقة بفضل الدعم الذي يتلقاه من واشنطن والحماية التي يتلقاها من روسيا.
كما يتم تدريس مناهج تنظيم "بي كي كي" الإرهابي في المدارس، وأخذ الأموال قسرًا من التجار تحت مسمى "ضرائب" تزامنًا مع استغلال الموارد المحلية للمنطقة مثل النفط، من أجل أعمال التنظيم وليس من أجل رفاهية سكان المنطقة.
وبحسب معلومات نشرتها الباحثة رينا نتجيس، التي زارت المنطقة، فإن الناس وخاصة الشباب في المناطق الخاضعة لسيطرة "واي بي جي" يغادرون منازلهم ويهربون إلى المناطق الآمنة التي أنشأتها تركيا.
ومن يملك القدرة يحاول الذهاب إلى تركيا وحتى أوروبا، لأنه إذا لم يغادر الشباب السوري منازلهم فسيتم تجنيدهم قسراً من قبل "واي بي جي" الإرهابي وسيموتون من أجل التنظيم على الخطوط الأمامية.
وتخشى الفتيات الصغيرات أن يتم اختطافهن من قبل "واي بي جي" في سن مبكرة ونقلهن إلى (جبل) قنديل (شمال العراق)، وفي حال النجاة من هذين الخيارين يبقى خيار الذهاب إلى مدارس لا يتم الاعتراف بشهاداتها في أي مكان بالعالم وتقوم بتدريس مناهج "بي كي كي".
والشباب الذين يذهبون إلى هذه المدارس يتدمر مستقبلهم، فشهادات التخرج التي يحصل عليها الشباب بعد إنهاء المرحلة الثانوية صالحة فقط عند تنظيم "بي كي كي/ واي بي جي" الإرهابي، لهذه الأسباب وأمثالها يؤدي الدعم الأمريكي لتنظيم "واي بي جي" في سوريا باستمرار إلى هجرة شعوب المنطقة.
وبصرف النظر عن أمثلة العراق وأفغانستان وسوريا، فإن السياسة الأمريكية تتسبب بشكل غير مباشر في ظهور حركات هجرة مختلفة في الشرق الأوسط.
على سبيل المثال، تعد حركة الهجرة في ليبيا والسودان والصومال نموذجا لذلك. أما الهجرة والأعداد الكبيرة من اللاجئين الناجمة بشكل مباشر عن الاحتلال الأمريكي والحروب، فإنها واضحة أمام الجميع.
في المحصلة؛ يمكن القول إن الولايات المتحدة عندما تصدر الحرب إلى دولة ما فإنها تبدأ أيضًا بتصدير اللاجئين من تلك الدولة إلى جيرانها والمنطقة.
** الأفكار والآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن سياسة الأناضول.
news_share_descriptionsubscription_contact
