أحمد المصري / الأناضول
حذر خبراء وأكاديميون قطريون وعرب مقيمون في الدوحة، من أن انتهاك الإمارات المجال الجوي القطري، ثم احتجاز أحد كبار أفراد أسرتها الحاكمة، قد يدفع المنطقة نحو "أزمة كبرى" عبر محاولة "استفزاز" الدوحة لجر المنطقة إلى تصعيد عسكري.
ورأوا في أحاديث مع الأناضول، أن الدوحة اتسمت بالحكمة في الرد على استفزازات الإمارات عبر اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، إلا أنهم شددوا على أن خيارها سيكون الدفاع عن حدودها وسيادتها حال تكرار الانتهاكات.
واعتبر أحد الخبراء أن ما تقوم به أبوظبي يأتي بتحريض من لاعبين أكبر منها، وبضوء أخضر من دول كبرى (لم يحددها).
وتأتي هذه السياسة الإماراتية ضمن أزمة خليجية بدأت في 5 يونيو / حزيران الماضي، حين قطعت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر، ثم فرضت عليها "إجراءات عقابية" بدعوى دعمها للإرهاب، وهو ما تنفيه الدوحة، وتتهم الرباعي بالسعي إلى فرض الوصاية على قرارها الوطني.
** انتهاك واحتجاز
قطر أعلنت، الجمعة الماضي، توجيهها رسالتين متطابقتين إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس مجلس الأمن الدولي، بشأن اختراق طائرة نقل عسكرية إماراتية مجالها الجوي يوم 3 يناير / كانون الثاني الجاري.
وجاء ذلك غداة إعلان الدوحة انتهاك مقاتلة إماراتية مجالها الجوي في 21 ديسمبر / كانون الأول الماضي.
كما أخذ التصعيد في الأزمة بين البلدين منحى جديدا أمس الاثنين، عبر حرب بيانات، اتهمت فيها الإمارات مقاتلات قطرية باعتراض طائرتين مدنيتين خلال رحلتهما للمنامة، وهو الأمر الذي نفته قطر، واتهمت الإمارات بانتهاك مجالها الجوي أمس الأول الأحد عبر طائرة عسكرية للمرة الثالثة.
ونفت الإمارات وقوع حادث الانتهاك الأول في تغريدة لـ "أنور قرقاش"، وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، فيما لم تعلق على اتهام الدوحة لها بالانتهاكين الثاني والثالث.
وبعد يومين من شكوى الدوحة من انتهاك مجالها الجوي، ظهر الشيخ عبد الله بن علي آل ثاني، أحد كبار أفراد الأسرة الحاكمة في قطر، عبر تسجيل مصور تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، وبثته قناة "الجزيرة" القطرية، الأحد، أعلن فيه أنه محتجز في أبوظبي، بعد أن حل ضيفا على ولي عهدها محمد بن زايد.
ونفت الإمارات احتجاز آل ثاني، وقالت إنه حل ضيفا، وهو "حر التصرف بتحركاته"، فيما قالت قطر، في بيان، إنها تراقب الموقف عن كثب.
** أزمة كبرى
وتعليقا على انتهاك الإمارات المجال الجوي لقطر، قال الكاتب والخبير السياسي القطري جابر الحرمي، للأناضول، إن هذا "ليس فقط عملا استفزازيا، بل عدوان على سيادة دولة، وهو ما نعتبره في قطر خطا أحمر".
وأردف: "قطر واصلت الحكمة التي اتسمت بها قيادتها في إدارة الأزمة منذ بدايتها، ولجأت عند هذا الانتهاك إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، فالخطوة الإماراتية تمثل تهديدا للأمن والسلم والاستقرار الدوليين، ما يستوجب على هذه المنظمات الدولية القيام بدورها، فالمنطقة لا تتحمل مثل هذا العبث الذي تقوم به أبوظبي".
وحذر الحرمي من أن "الإمارات بهذه الخطوة تدفع المنطقة إلى الهاوية، وقد تندلع أزمة كبرى بمثل هذه التصرفات الصبيانية.. لا أستبعد أن من بيده القرار في أبوظبي يسعى إلى إشعال المنطقة عسكريا".
وأردف: "يعلم الجميع أنه في بداية أزمة حصار قطر كان هناك عمل عسكري يجهز له، وهو ما كشف عنه أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، في مؤتمر صحفي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في سبتمبر / أيلول الماضي، عندما قال إنه نجح في وقف عمل عسكري ضد قطر.. بالتالي نية العمل العسكري مبيتة لدى دول الحصار، والإمارات تحديدا، التي تقود الحرب والتحريض والتحشيد ضد قطر".
ومضى قائلا إن "الإمارات لا تريد استقرارا بالمنطقة، فلديها أجندة تحاول إشغال الرأي العام عن تمريرها، كما هو الحال في اليمن والقرن الإفريقي، الذي تمارس فيه الإمارات جرائم حرب عبر سلطة احتلال".
وحول رد قطر المتوقع حال تكررت تلك الانتهاكات، قال الحرمي إن "القانون الدولي يعطي قطر الحق في الدفاع عن سيادتها، وبالتالي ضبط النفس القطري لن يستمر طويلا، فقطر لديها قدرة عسكرية على الرد إذا تمادت الإمارات أو أي دولة كانت في تكرار هذا الأمر".
** استفزاز وإزعاج
واتفق ماجد الأنصاري، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة قطر، مع الحرمي بأن ما تقوم به الإمارات استفزاز، إلا أنه استبعد أن يرقى إلى تصعيد عسكري.
وقال الأنصاري، للأناضول، إن "انتهاك المجال الجوي لقطر يأتي ضمن استفزازات إماراتية تستهدف إزعاج قطر لاتخاذ إجراءات غير مدروسة تبرر أي إجراءات تصعيدية، لكن تلك الانتهاكات لا ترقى إلى مرحلة تصعيد عسكري".
وتابع: "قطر أظهرت درجة كبيرة من ضبط النفس، وتوجهت بشكوى إلى مجلس الأمن، وفوتت الفرصة على الإمارات لاتخاذ أي إجراءات تصعيدية".
وعن الأثر القانوني للشكوى المقدمة إلى مجلس الأمن، قال الأنصاري إن "الشكوى تأتي في إطار العلم والخبر، أي أن قطر تحيط مجلس الأمن علما بوقوع انتهاكات، بما يبرر لها اتخاذ أي إجراءات في حال تكررت الانتهاكات".
واستبعد تكرار هذه الانتهاكات، "لكن إذا تكررت، فالقوات المسلحة القطرية قادرة على حماية حدودها وسيادة الدولة".
** دول كبرى
بدوره اتفق اليمني، الدكتور بكيل الزنداني، أستاذ العلاقات الدولية والأمن الدولي اليمني في جامعة قطر، مع الحرمي في أن "هذا الانتهاك يستهدف جر قطر إلى صراع عسكري مباشر"، كما اتفق مع الأنصاري في كونه "يستهدف جر قطر إلى رد غير مدروس" يبرر أي سلوكيات تصعيدية.
وشدد الزنداني على أن "قيادة قطر قيادة ناضجة ولم تتورط في هذا الفخ.. سلوك الإمارات المخالف للقانون الدولي مدفوع من لاعبين أكبر من الإمارات، أو بضوء أخضر من دول كبرى، فالإمارات تقوم بسلوكيات لا تتناسب مع إمكاناتها الحقيقية وحجمها وتاريخها".
وعن الأثر القانوني لشكوى قطر إلى مجلس الأمن، قال الزنداني للأناضول، إن "القانون الدولي يعطي كل دولة الحق في الدفاع عن أراضيها إذا تعرضت لاعتداء على حدودها أو أجوائها".
وأردف: "لكن قطر قدمت شكوى بعد توثيق صحيح ودقيق للانتهاكات التي تعرضت لها، فالدوحة لا ترغب مواجهة عسكرية ستسهم حال وقوعها في زعزعة الأمن والاستقرار بالمنطقة والمجتمع الدولي".
وبين أنه "يتعين على مجلس الأمن، بعد تقديم قطر شكواها، إبلاغ المندوب الإماراتي في الأمم المتحدة بالشكوى وطلب الرد عليها".
وأوضح أن الرد المتوقع في حال ثبوت الشكوى، هو إما توجيه تحذير أو تنبيه إلى الإمارات بعدم تكرار الأمر، أو غض الطرف عن الشكوى، وفي حال غض الطرف فسيؤكد ذلك قيام الإمارات بتلك الانتهاكات بضوء أخضر من دول كبرى".
وشدد الأكاديمي اليمني على أن "قطر لديها إمكانيات لضرب الطائرة وإسقاطها، بعد تحذيرها وفق القواعد المتبعة، لكن تكرار هذه الانتهاكات يثبت أن هذا العمل هو استفزاز مقصود يستهدف جر المنطقة إلى عمل عسكري".
** آل ثاني وشفيق والحريري
وفي تعليقه على حديث الشيخ عبد الله آل ثاني، الأحد، عن احتجازه في أبو ظبي، قال الحرمي: هذا "سلوك غير مستغرب من الإمارات، فقد سبق أن أعلن أحمد شفيق (رئيس وزراء مصر الأسبق) كذلك عن تعرضه لاحتجاز ومنع من السفر في أبوظبي، ثم تم إرجاعه إلى مصر".
وأردف: "يظهر أن الإمارات أرادت مساومة الشيخ عبد الله على ما هو أكبر مما أقدم عليه في السابق بإيعاز من دول الحصار، عندما أرادوا تقديمه على أنه البديل للقيادة القطرية، لكنهم فشلوا في إحداث اختراق للجبهة الداخلية في قطر، سواء شعبيا أو على مستوى الأسرة الحاكمة".
وأضاف أن "ظروف الاحتجاز حتى الآن غامضة، لكن مما اتضح من التسجيل جليا أن محمد بن زايد (ولي عهد أبو ظبي) شخصيا هو من يتولى احتجازه بعد أن دعاه إلى ضيافته، ولا يستبعد تعرضه لأذى، وبالتالي اتهام قطر بهذه الجريمة لإيجاد مسوغ للضغط عليها".
واعتبر أن "هناك ارتباكا شديدا تعيشه دول الحصار، بعد أن فشلت كل مؤامراتها ضد قطر، فهي تعيش في فشل وتنتقل من فشل إلى فشل".
بدوره، قال ماجد الأنصاري إن "هذا الأمر ليس مستغربا من نظام أبوظبي ودول الحصار، فقد سبق أن احتجز أحمد شفيق في الإمارات، وسبق أن احتجزت الرياض رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، في إطار تحويل الأشخاص إلى مساجين دائمين يتم توظيفهم عند الحاجة".
ورأى أن "هذا الفيديو لا يغير شيئا في المشهد، فهو استفزاز سياسي يكرس صورة الإمارات المشوهة بالملف الحقوقي".
وعن توقعاته لمآل الأزمة الخليجية في إطار تلك التطورات، رجح الأنصاري أن "تراوح الأزمة الخليجية مكانها في الفترة القادمة دون تصعيد جديد، أو تقدم إيجابي على طريق حلها".
وختم بأن "قطر ماضية في مواصلة مشروعها التنموي والاقتصادي والسياسي، في حين تحاول دول الحصار تطبيع الأزمة لتكون حالة دائمة".
news_share_descriptionsubscription_contact
