25 ديسمبر 2018•تحديث: 25 ديسمبر 2018
إسطنبول / نجوان الأشول* / الأناضول
تدخل الحرب الأهلية في سوريا عامها الثامن دون وجود حلول حقيقية ومستدامة للقضايا العالقة، وكل الحلول التي تم التوصل إليها سواء على منصات جنيف أو آستانة أو سوتشي، تبدو هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة، عاجلا أو آجلا.
ووسط هذا الوضع المعقد والترقب من جميع الفاعلين، أعلن الرئيس الأمريكي عزمه سحب القوات الأمريكية ـ والتي يبلغ عددها نحو 2000 جندي ـ من مناطق تمركزها في سوريا خاصة شرق نهر الفرات، في فترة تمتد من ستين إلى مائة يوم على الأكثر.
مثّل هذا الإعلان مفاجأة ليس فقط لحلفاء الولايات المتحدة، لكن أيضا للفاعلين المناوئين والمنافسين للولايات المتحدة الأمريكية.
وأصبحت اتجاهات النقاش حول أسباب اتخاذ هذا القرار سواء كانت الأسباب داخلية أم خارجية، وكذلك حول تداعيات هذا القرار في الداخل والخارج، ومدى استفادة روسيا وإيران من هكذا قرار، واعتبار القرار بمثابة "هدية الكريسماس" لمحور سوتشي بما فيهم تركيا، حليف الولايات المتحدة الأمريكية في حلف الناتو.
تظهر القراءة الأولية للقرار تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن المليشيات الإرهابية وقوات سوريا الديمقراطية، ما يعني نظريا تلاشي حلم هذه المليشيات في إقامة كيان مستقل يهدد الأمن القومي التركي، بيد أنه قد يكون من الأفضل لتركيا التريث قبل قبول ـ ما تبدو ـ هدية يمكن أن تؤدي إلى الانغماس في مستنقع شرق الفرات، فدراسات السلام والصراع تخبرنا بأن الولوج في الحروب الأهلية يبدو مغريا، لكن الخروج لن يكون دون خسائر، قد تفوق أحيانا ما تصور أنه مكاسب، خاصة وأن أرضية المستنقع متحركة ومليئة بالوحل.
في الواقع مثل تواجد المليشيات الإرهابية وهيمنة تنظيم بي كا كا الإرهابي على مفاصل اتخاذ القرار في قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على طول الحدود التركية السورية صداعا في رأس تركيا، ومثل كذلك تحالف القوات الأمريكية معها وإسنادها مهمة القضاء على تنظيم داعش ـ مستبعدة فصائل الجيش الحر ـ تحديا كبيرا لتركيا التي لا تريد أن تخسر حليف الناتو القوي، وفي نفس الوقت لا يمكنها ترك المليشيات الإرهابية تقوم بإنشاء كيان مستقل ومستقر في مناطق التماس مع سوريا.
لذا كان إعلان الرئيس رجب طيب أردوغان عزمه إطلاق عمليات شرق الفرات بالاعتماد على فصائل الجيش الحر بمثابة رسالة للولايات المتحدة الأمريكية لكي تقوم بالاختيار بين الطرفين، وفي الوقت الذي كان العرض الأمريكي مستفزا وغير منطقي ـ بتشكيل دوريات مشتركة ـ لمنع تهديد الأمن التركي، كان الموقف الروسي داعما لمنع تعاظم نفوذ قوات "قسد" وهيمنتها على المناطق شرق الفرات.
بالطبع الموقف الروسي من المليشيات تغير كثيرا ـ عما كان عليه منذ سنتين ـ وهذا يرجع إلى فشل روسيا في إقناع الدول الأوروبية بتمويل إعادة الإعمار في المناطق التي سيطرت عليها لمصلحة قوات الأسد، وبالتالي تصبح مناطق شرق الفرات الغنية بحقول الطاقة والموارد الزراعية، هي الحل السهل المنال والأفضل لتمويل إعادة الإعمار.
الانسحاب الأمريكي ـ كليا أو جزئيا ـ يعني حدوث فراغ لا بد من ملئه، والمرشح لملء الفراغ حاليا هو تركيا ومن معها من الفصائل السورية للقيام أولا بالقضاء على المليشيات الإرهابية، أو إضعافها على الأقل، وثانيا القضاء على ما تبقى من تنظيم داعش.
لكن القيام بهاتين المهمتين لن يكون سهل المنال في المدى القريب أو المتوسط، فالمليشيات الإرهابية تمتلك المعدات الأمريكية والتمويل السخي من الأنظمة السعودية والإماراتية، التي ستجد في ذلك فرصة لإنهاك تركيا اقتصاديا وعسكريا.
المعدات والتمويل سيسمحان للمليشيات بالدخول في حرب طويلة المدى وإنهاك القوات المنظمة. أيضا تهديد المليشيات بإطلاق سراح حوالي ثلاثة آلاف من مقاتلي داعش سيجعل الفصائل السورية المدعومة من تركيا في موقف صعب، خاصة أن أولويات داعش، وفقا لأيديولوجيتهم السياسية، لن تكون أبدا الثأر من العدو البعيد، أي المليشيات أو حتى النظام، بل القضاء على العدو القريب، فصائل الثورة السورية. وعلينا في هذا السياق ألا ننسى أن هذا بالضبط ما حدث منذ نشأة التنظيم، حيث كان تمدده في المناطق التي سيطرت عليها الفصائل السورية، وليست تلك التي تحت سيطرة الأسد!
إن الترحيب الروسي والإيراني أيضا بالانسحاب الأمريكي العاجل، الكلي أو الجزئي، والدعم السياسي لتركيا والفصائل السورية لملء الفراغ وتنظيف شرق الفرات من القوات المناوئة، ليس لإرضاء تركيا وحماية أمنها القومي، وإنما لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن كاهلهما تمهيدا لإعادة سيطرة نظام الأسد ـ الشكلية ـ على مناطق شرق الفرات، ومن بعدها إدلب وباقي المناطق.
إذن قد يكون من الأفضل لتركيا التريث قبل قبول ملء الفراغ، وإشراك فصائل الجيش الحر في معارك شرق الفرات، خاصة أن المعادلة مليئة بالأطراف التي من مصلحتها إنهاك تركيا. فالواقع أن المقاربة العسكرية فقط لا يمكن أن تكون الأفضل في مثل هكذا موقف. لكن، بدافع الوقت، يستثنى من ذلك تأمين "منبج" العاجل، حيث تحتشد القوات الداعمة للأسد حولها.
إن المقاربة ذات الأوجه المتعددة بترتيبات متعددة تمهد الأرضية العسكرية وتخلق أجواء سياسية ومجتمعية ليست بالكامل معادية قد تكون الخيار الأمثل.. تذكرنا دراسات السلام أن أسلم الطرق للولوج في الحروب الأهلية هي التي تكون ضمن أطر أممية أو تحالفية، لقد تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية (وبعض دول أوروبا) في ليبيا وفي سوريا إما ضمن أطر تحالف الناتو، مجلس الأمن، أو التحالف الدولي، إن مثل هكذا ترتيبات وأطر من شأنها أن تقلل من المخاطر وتحقق الغرض دون التلطخ الكامل بالوحل!
---------
* باحثة دكتوراه في الجامعة الأوروبية بفلورنس، وباحثة زائرة في مركز دراسات الشرق الأوسط ـ أنقرة
ـ الآراء الوارده في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة الأناضول