Leila Thabti
18 يناير 2017•تحديث: 18 يناير 2017
تونس/ نادية الشاهد/ الأناضول
منذ نحو 30 عاما، يجوب مصوّر تونسي متجوّل أرجاء شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة التونسية.
ملامح مألوفة لجميع روّاد هذا الشارع الكبير الذي شهد التجمّع الحاشد والغاضب في 14 يناير/ كانون ثان 2011، يوم هروب الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي.
"عم محمد"، هكذا يناديه الجميع.. رجل اختزلت التجاعيد في وجهه حكايات وأسرارا ووقائع لم يشهدها سواه.. "الله وحده العالم بما حدث ويحدث في هذا الشارع"، يقول للأناضول، ويداه تداعبان طرف كاميراته.
شاهد عيان على جميع الإحتجاجات والإعتصامات ومختلف الأحداث التاريخية وحتى الثقافية وغيرها من الإحتفالات، وذاكرة تخزّن بداخلها جميع تفاصيل الشارع الناضحة بمختلف التعبيرات والأحداث والتغيّرات.
هو ذاكرة الثورة التونسية في جميع تجلياتها، ويقف في مفترق الطرق بين أبرز المحطات الفارقة في التاريخ المعاصر للبلاد، ويوم الـ 14 من يناير/ كانون ثان 2011، كان بالنسبة له –كما جميع التونسيين- يوما مفصليا.
"شاهدت تلك الوجوه الغاضبة والمنددة بظلم" النظام السابق وبـ "انتهاك الحريات"، يضيف، معربا عن حزنه وأسفه الشديدين لأمر واحد وهو أنه لم يوثّق تفاصيل ذلك اليوم بكاميراته الخاصة، لأنه تركها في منزله حينها، تحسّبا لإندلاع عنف خلال الإحتجاجات.
لأيام "العمّ محمد" انسياب خاص، فهي محكومة بما يحدث في الشارع الكبير بقلب العاصمة التونسية.
كاميراته المعلقة على صدره وهو يذرع المسافة الفاصلة بين تمثال العلاّمة الشهير عبد الرحمان ابن خلدون المنتصب في أحد قطبي الشارع والساعة الكبيرة في قطبه الثاني، تشهد بأن الرجل حريص على توثيق أدق اللحظات وأصغر التفاصيل.
وجوده يوميا منذ 30 عاما في ذلك المكان منحه خبرة في استشراف ورصد الوضع هناك، بل أكّد أنه استشعر أحداث الثورة التونسية قبل حدوثها، بناء على ما سبقها من غضب وحراك اجتماعيين.
"كان هناك شيء ما في الأفق"، يتابع، "ولقد أحسست بحركة غير اعتيادية، علاوة على ما كان يسرّ لي به بعض العارفين بخفايا الجيش، من أصداء وأخبار حول ما يحدث في المناطق الداخلية للبلاد".
"عم محمد" عاد أيضا على المسيرة الحاشدة لأنصار بن علي، مساء الـ 13 من يناير/ كانون ثان 2014، الساعية حينذاك لتهدئة السكان وطمأنتهم بـ "مستقبل أفضل"، على حدّ تعبيره، غير أن ذلك لم يمنع الآلاف من المناهضين للنظام من النزول إلى الشوارع.
تسلسل زمني دقيق يحتفظ به الرجل في ذاكرته، ليستحضر الإحتجاجات شبه اليومية التي شهدها الشارع منذ رحيل بن علي، و"القنابل المسيلة للدموع التي كانت قوات الأمن تستخدمها لتفريق المتظاهرين".
قمع للإحتجاجات قال إنه لم يقتصر على ذلك، وإنما "شمل أيضا إطلاق الرصاص الحي".
واليوم، بعد 6 سنوات من الثورة، يرى العم محمد –كما الكثير من التونسيين- أن "لا شيء تغيّر في حياة المواطن".
بل بالعكس، قدّر السبعيني أن الفقر تفاقم بشكل لافت، مستشهدا بما يرصده يوميا في الشارع الذي يحفظ تفاصيله عن ظهر قلب.
"في شارع الحبيب بورقيبة فقط، رأيت أعدادا كبيرة من المتسوّلين والمشرّدين ممن يقضون لياليهم على الرصيف".
وبعودته على عمله، بدا الرجل مفتخرا بأنه عصامي في مجاله، وبأن اتقانه للتصوير الفوتوغرافي جاء كثمرة لخبرته الميدانية، ولشغفه بقراءة ومتابعة الكتب المتخصصة في المجال.
فـ "قبل عشر سنوات"، يضيف، "أي قبل ظهور الهواتف المحمولة وغيرها من الأجهزة الرقمية، كنّا (المصورون المتجولون) أكثر عددا، ولقد كان لدينا عدد كبير من الزبائن".
ومستدركا: "لكن اليوم، تغير الوضع تماما، وتقلّص عددنا إلى اثنين فقط، بما أن الناس باتوا في غنى عنا، وأصبح بإمكانهم إلتقاط صورهم باستخدام هواتفهم".
تطور تكنولوجي أفقده الكثير من الزبائن، غير أن ذلك لا يمنع وجود أشخاص لا يزالون يفضلون الصور الورقية، ويطلبون منه إلتقاط صورهم التذكارية مقابل ما يعادل نحو 1.5 دولار تقريبا.
وبما أن "العم محمد" أضحى من "المكوّنات" القارة لشارع الحبيب بورقيبة، كما يقول مفتخرا، فإن بعض زبائنه يأتون خصيصا إليه من حين لآخر، أو بشكل منتظم، لتوثيق لحظاتهم الاستثنائية.
ثقة استطاع الحصول عليها بفضل "تقنيات" و"قواعد خاصة" قال إنّه يستخدمها لاستقطاب زبائنه، أوّلها أنه لا يضايقهم أبدا ولا يفرض نفسه عليهم، بمعنى أنه لا يطاردهم كما يفعل البعض، وإنما يقف مبتسما، أو يتجوّل وكاميراته في يده، في انتظار أن يدعوه أحدهم لإلتقاط صورة له، فيقبل عليه بذات الابتسامة التي تظل عالقة في ذهن كل ما قادته الصدف إلى ذلك الشارع.
أما "مقرّه الرسمي" فهو تلك الحديقة الصغيرة التي ينتصب في مركزها تمثال "ابن خلدون".. هناك يقف منتظرا قدوم زبائنه.
كما يحرص "العم محمد" على التخلّص من جميع الصور عقب بيعها لأصحابها، من منطلق إدراكه لرغبة الناس في الإحتفاظ بلحظاتهم المميّزة لأنفسهم، وعدم وقوعها بين أيدي غيرهم.
خصوصية قال في ختام حديثه إنه يوليها احتراما كبيرا، باعتبارها أساس الثقة المبنية طوال سنوات بينه وبين زبائنه من التونسيين والأجانب.