الفخار هو مواد تشكيلية وقطع فنية صغيرة مكونة من الطين تعكس كغيرها من الفنون ثقافة وقيم الشعوب التي تحترف صناعتها.
27 أكتوبر 2016•تحديث: 27 أكتوبر 2016
Al Qahirah
القاهرة / أسماء أحمد / الأناضول
رغم امتدادها لآلاف السنين إلا أن صناعة الفخار المصرية التي عكست طبيعة وذاكرة الكثير من الحضارات التي عرفتها البلاد على مدار العصور، أصبحت "صرحًا خاويا"، حسب أحد ممتهنيها الذي حذر من انقراضها حال تجاهل الحكومة تنميتها.
والفخار هو مواد تشكيلية وقطع فنية صغيرة مكونة من الطين تعكس كغيرها من الفنون ثقافة وقيم الشعوب التي تحترف صناعتها.
وفي جولة لمراسل الأناضول بمنطقة "النزلة" بمحافظة الفيوم، وسط مصر، التي اشتهرت بما يمكن وصفه بـ"زواج كاثوليكي" بين الطين والنار، يعود تاريخه في مصر إلى عهد الفراعنة، لوحظ تراجع لغة الافتخار بالمهنة التي ظلت لسنوات مصدر غنى وإبداع بين صُنَاعها.
ووفق صُنّاع في "النزلة" تحدثت إليهم مراسلة الأناضول، فإن فخارها ذائع الصيت أصبح في مهب الأزمات المالية والأمنية التي تشهدها البلاد خاصة مع ندرة المتمسكين بالمهنة في هذه الفترة، الذين لا يتجاو عددهم الثلاثين بعدما كانوا مئات منذ سنوات.
وسُميت المنطقة بـ"النزلة" لأنها أشبه بمنحدر، بجانب نهر يجري وأرض خصبة، ويتبادر للنظر عشرات المباني الصغيرة البدائية المبنية من الطين والخوص(نبات)، وأدوات بدائية، وعشرات الأواني الفخارية المرصوصة وعرق ينزل من جباه صُنّاع مختلفوا الأعمار.
ويستخدم أهالي "النزلة" في صناعة الفخار الآلات البدائية المُتمثلة في "عجلة الفخار"، والمطرقة المصنوعة من الطمي، وقاعدة خشبية دائرية الشكل تستخدم في صنع، وتشكيل أشكال فخارية.
و"عجلة الفخار" عبارة عن قطعة مستقيمة من الخشب بين جدارين يتوسطها عمود معدني، أسفل هذا العمود قطعة خشبية دائرية، يقوم العامل بتحريكها من خلال قدميه فتتحرك معها قطعة الفخار بأعلى العمود الحديدي لبدء تشكيلها بالشكل المطلوب.
ناصر ربيع، يبلغ من العمر (45 عامًا) قضى منها أكثر من ثلاثة عقود في مهنة صناعة الفخار، يتحدث لـ"الأناضول" عن مجد المهنة التي جعلت من منطقته "النزلة" قبلة للسياح والتجار منذ عشرات السنوات قبل أن يهجرها الجميع بعد غلق أكثر من 60 ورشة بسبب حالة الركود.
ويضيف ربيع وهو يجفف عرقه بنبرة حزينة أنّ مهنة الفخار التي تنتشر في قرى أخرى بمحافظة الفيوم مثل "تونس" و"الإعلام" مُتعبة وغير مُربحة، مُتسائلًا: "ماذا أفعل يوميًا بـ 50 جنيهًا (5.5 دولار أمريكي) في الغلاء الذي نراه؟".
الفخار الذي لا يزال في ذاكرة "ربيع" يحمل ذكرى عمل الآباء والأجداد في تلك المنطقة التي يتوارثونها جيلا بعد جيل ولا يجدون مفرًا منها رغم معاناتهم وسط أمنيات بأن تعود مرة أخرى إلى عهدها السابق.
وعن كيفية صناعة الفخار يُبين "ربيع" أنّه يشتري ما يقرب من (1000 كيلو طفلة/ طين) من الأراضي غير الصالحة للزراعة بـ 150 جنيهًا (17 دولار أمريكي) كل 10 أيام، ويقوم بخلطه بالماء تمهيدًا لتشكيله.
ويُضيف: يتم خلط الطفلة بالقش الناتج عن غربلة القمح ليكون أكثر مرونة وسهولة في التشكيل، ثم يوضع في الشمس لمدة أربعة أيام صيفًا، وأسبوع شتاءً، قبل وضعها في أفران النار لحرقها لتصبح أكثر صلابة ومتانة قبل بيعها.
فخار الطين والنار، وفق ربيع، يعرف للمصريين وللسياح في أشكال سلع للاستخدام المنزلي مثل أواني تخزين المياه المعروفة باسم "الزير" الموجود في الريف المصري، بالإضافة إلى أواني الطبخ وحفظ الزبد والجبن، وطواجن إعداد وطهي الدواجن والخضروات واللحوم، بالإضافة إلى منتجات فولكلورية تستخدم في تزيين حدائق المنازل والديكور المنزلي.
ويكشف ربيع أنه بالرغم من أنّ عدد ورش الفخار التي تعمل بالقرية حاليا لا يزيد على 15 ورشة إلا أنهم يصنعون مئات القطع من الأواني الفخارية المختلفة يوميًا، ويبدأون في العمل من السابعة صباحًا وحتى الخامسة مساءً كل يوم عدا الجمعة.
ويسترجع ذكرياته مع المهنة قائلا إنه لم يكن شراء منتجات الفخار للتجارة مُقتصرًا على المصريين فقط، فقد كان هناك أجانب أيضًا، ومنهم شخص يدعى "فرانس"(يتذكر اسمه الأول فقط) يشتري كميات كبرى من منتجات الفخار بأسعار عالية، ويصدرها للدول الأجنبية لتستخدم كمدفأة يتم إشعال الخشب في داخلها.
قبل أن يستدرك قائلًا: "لم يعد يأت فرانس إلى القرية بعد ثورة يناير (كانون ثان 2011)، خشية من السرقة، أو صعوبة إجراءات تصدير الأواني الفخارية مثلما كان يفعل، وذلك تسبب لنا في خسارة فادحة.
السياحة أيضا وتراجعها كانت سببًا في تراجع مهنة صناعة الفخار، وهو ما ينبه إلى أضراره بقوله: "صُنّاع كتير (كثر) في مهنة الفخار تركوها بحثًا عن رزق آخر مع قلة المبيعات".
وتعد القرى السياحية مصدرا دائما وهاما للطلب على مشغولات الفخار من أوان منزلية وديكورات. لكن تدهور السياحة في مصر على مدار الخمس سنوات الماضية أدى إلى انخفاض الطلب على نحو بالغ، ما ألحق ضررا بالعديد من الورش وأدى لإغلاق بعضها.