جنوب لبنان/ وسيم سيف الدين/ الأناضول
- الحرب الإسرائيلية على لبنان حطمت كرسيه المتحرك وزادت خوفه من الغارات والطائرات المسيرة
- شقيقته لين المصابة بشلل نصفي جراء حادث سير تؤكد أنه يتعلم بسرعة ويحاول الاعتماد على نفسه
- يقول خالد للأناضول: لا أترك نفسي للإعاقة، العمل يساعدني على نسيان معاناتي
في مخيم مرج الخوخ الواقع في خراج بلدة إبل السقي بمنطقة مرجعيون جنوبي لبنان، يتحدى اللاجئ السوري خالد الحسين (23 عامًا) الإعاقة والنزوح والخوف من الحرب بموهبة إصلاح الأجهزة الكهربائية التي اكتسبها بمفرده.
خالد، المنحدر من محافظة إدلب شمال غربي سوريا، يعاني شللاً نصفياً منذ الولادة، ولم تُتَح له فرصة الالتحاق بالمدرسة أو تعلم القراءة والكتابة، إلا أنه استطاع بالاعتماد على نفسه اكتساب مهارات في إصلاح الأجهزة الكهربائية المنزلية من خلال الممارسة ومراقبة الأعطال ومحاولة إصلاحها.
وبينما يعيش تحت وطأة النزوح والإعاقة والخوف، يحاول خالد أن يحوّل ما تعلمه بجهده الشخصي إلى وسيلة تساعده على الاعتماد على نفسه، ولو في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.
وفي المخيم الذي أنهكته الحرب وظروف اللجوء، تبدو أدواته البسيطة وأسلاكه الكهربائية بالنسبة إليه أكثر من مجرد وسيلة لإصلاح الأجهزة، فهي مساحة يثبت فيها لنفسه أنه رغم الشلل والخوف وضيق الخيارات، لا يزال قادرًا على التعلم والعمل وصناعة شيء بيديه.
وفي حديث للأناضول، قال خالد إن عائلته وصلت إلى لبنان قبل نحو 12 عامًا، وانتقلت بين مناطق عدة في البقاع قبل أن تستقر في مخيم مرج الخوخ قرب الحدود جنوبي لبنان حيث يقيم منذ نحو 10 سنوات.
لكن العدوان الإسرائيلي الأخير زاد من صعوبة حياته، بعدما اضطر مع أفراد أسرته إلى مغادرة المخيم هربًا من الغارات في وقت أصبح فيه التنقل بالنسبة إليه أكثر تعقيداً بسبب إعاقته.
وروى خالد أن كرسيه المتحرك تحطم أثناء إحدى عمليات الفرار، بعدما حمله أفراد أسرته ووضعوه داخل سيارة، قبل أن يضطروا إلى النوم فيها لساعات، ثم الانتقال إلى منطقة أخرى مع استمرار القصف.
وقال: "أهلي حملوني ووضعوني في السيارة وهربنا، الخوف يرافقني خصوصًا خلال الليل بسبب أصوات الطائرات المسيّرة والغارات".
وأضاف: "لم أعد قادرًا على النوم بصورة طبيعية، الخوف يدفعني أحياناً إلى البكاء وترك الطعام طوال ساعات"، مشيرا إلى معاناته من فقر الدم وتدهور حالته الصحية.
وقال خالد إن أكثر ما يخيفه هو أن تتعطل السيارة التي يعتمد عليها في التنقل، لأن ذلك يعني أن أسرته قد تجد صعوبة في إخراجه من المكان في حال وقوع قصف.
وتشير تقديرات لبنانية إلى أن عدد اللاجئين السوريين في لبنان يبلغ نحو 1.5 مليون شخص، بينهم قرابة 880 ألفًا مسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيما أطلقت الحكومة اللبنانية برنامج العودة الطوعية لهم في يونيو/ حزيران 2025.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع توقع في يناير/ كانون الثاني 2025، عودة غالبية المواطنين الموجودين في الخارج خلال العامين المقبلين.
وفي 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 سيطرت فصائل سورية على البلاد، منهية 61 عامًا من حكم حزب البعث، منها 53 عامًا من حكم أسرة الأسد.

ويستعيد خالد مشاهد عاشها خلال الحرب، قائلاً إن أصوات الطائرات وإطلاق النار كانت تثير حالة من الهلع لديه، وإن سقوط الرصاص بالقرب من المخيم جعله يشعر بالخوف على حياته.
وأضاف: "الخوف بلغ بي أحياناً حد المرض وارتفاع الحرارة، وأصعب ما أواجهه هو الشعور بالعجز عن التحرك بنفسي عند الخطر".
ورغم ذلك، يصر خالد على مواصلة إصلاح الأجهزة، ويأمل في الحصول على كرسي متحرك كهربائي يخفف عنه عناء التنقل.
كما يتمنى أن تتاح له فرصة التعلم، ويقول: "كنت أتمنى الالتحاق بمدرسة أو أن أجد شخصاً يساعدني على تطوير مهاراتي".
وتواصل إسرائيل عدوانا على لبنان بدأته في 2 مارس/ آذار الماضي، ما أسفر عن 4 آلاف و335 قتيلا و12 ألفا و277 جريحا، وأكثر من مليون نازح، وفق السلطات اللبنانية.
وتحتل إسرائيل مناطق في جنوب لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى منذ الحرب السابقة بين عامي 2023 و2024، فيما توغلت خلال العدوان الراهن لمسافة تزيد على 10 كيلومترات.

رغم عدم دخوله المدرسة وعدم إجادته القراءة والكتابة، وجد خالد في إصلاح الأجهزة الكهربائية وسيلة للتعلم والعمل والتغلب، ولو جزئيًا، على آثار إعاقته.
وأوضح أنه بدأ بإصلاح الأعطال البسيطة في الأجهزة الموجودة لدى سكان المخيم، مثل الوصلات الكهربائية وأجهزة التبريد والإضاءة وغيرها.
وقال إن سكان المخيم يطلبون منه أحياناً فحص جهاز أو وصلة كهربائية لا تعمل، فيقوم بتفكيكها والبحث عن مكان العطل ثم إصلاحه.
وروى أنه أصلح ذات مرة ثلاجة توقفت عن العمل، بعدما اكتشف أن شريطاً كهربائياً مقطوعاً من الخلف، فقام بتوصيله فعاد الجهاز إلى العمل.
كما يعمل على إصلاح الوصلات والأسلاك الكهربائية واستبدال القطع التالفة، ويقول إن ما يعرفه في هذا المجال "تعلمته من رأسي"، في إشارة إلى اعتماده على الملاحظة والتجربة دون تعليم رسمي.
ولا يتقاضى خالد أجراً ثابتاً عن إصلاحاته، لكنه يطلب أحياناً من صاحب الجهاز شراء القطعة التالفة ثم يقوم بتركيبها.
ولفت إلى أن هدفه الأساسي هو التعلم ومساعدة من حوله، مضيفاً أن إصلاح الأجهزة يمنحه شعورًا بأنه قادر على القيام بشيء رغم إعاقته.
وقال خالد: "لا أترك نفسي لأبقى معاقًا، العمل في إصلاح الأجهزة يساعدني على نسيان معاناتي لبعض الوقت والانشغال بما أحب".

في خيمته، كان خالد منهمكاً في إصلاح مصباح كهربائي أحضره إليه أحد سكان المخيم، بعدما توقف عن العمل وبعد تفكيكه، اكتشف أن الخلل في مفتاح التشغيل، وبدأ بمحاولة إصلاحه تمهيدًا لتجربته عند عودة التيار الكهربائي.
لكن الكهرباء نفسها تمثل مشكلة إضافية لسكان المخيم، إذ يقول خالد إن التغذية الكهربائية تصله لساعات محدودة، ما يجعله يقضي أحياناً الليل في الظلام، وهو أمر يزيد من خوفه في ظل استمرار أصوات الطائرات المسيّرة والقصف.

ولا تتوقف معاناة الأسرة عند خالد، إذ تعاني شقيقته لين البالغة من العمر 35 عامًا من شلل نصفي أصابها إثر حادث سير تعرضت له في محافظة البقاع شرقي لبنان، فيما تكافح الأسرة لتأمين احتياجاتها الأساسية في ظل ظروف معيشية صعبة داخل المخيم.
ورغم حالتها، تتحمل لين جانبًا من مسؤولية إعالة الأسرة، إذ تعمل في مشتل وتساهم في تأمين الطعام والأدوية وغيرها من الاحتياجات.
وقالت لين للأناضول إن خالد "يحتاج إلى مساعدة ودعم"، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أنه يحاول الاعتماد على نفسه قدر الإمكان.
وروت أنها تولّت رعايته منذ طفولته، وكانت تحمله قبل أن يحصل على كرسي متحرك، وتساعده في تفاصيل حياته اليومية، قبل أن يتعلم تدريجيًا كيفية الاعتماد على نفسه.
وأردفت أن خالد "يتعلم سريعا ولا يجد صعوبة كبيرة في فهم كيفية تفكيك الأشياء وإعادة تركيبها".
news_share_descriptionsubscription_contact
