الخرطوم / محمد الخاتم / الأناضول
مع رجل يتحاشى الإعلام ما وسعه ذلك، يبقى "الغموض"، السمة الرئيسية له.. إنه الفريق أول، بكري حسن صالح، أول رئيس وزراء سوداني، خلال العقود الثلاث الماضية.
الراجح في الأوساط السياسية أن صالح، أقرب القادة الحكوميين من الرئيس عمر البشير على مدار حكمه، كان دائما في دائرة اتخاذ القرار التي تتسع أحيانا، وتضيق في أغلب الآحايين.
لكن لا أحد يعرف على وجه الدقة، تفاصيل الأدوار التي لعبها الرجل، الذي وصفته صحيفة محلية من قبل، بأنه "الصندوق الأسود" لثورة "الإنقاذ"، الاسم الذي أطلقه البشير، ورفاقه من الضباط الموالين للحركة الإسلامية، على تحركهم نحو السلطة في 1989 والإطاحة بحكومة الصادق المهدي آنذاك.
ومن بين 15 ضابطا شكلوا مجلس قيادة الثورة، لم يبق بجوار البشير سوى صالح، حيث توفي البعض، وابتعد أو أُبعد آخرون.
ولد الرجل في 1949 بقرية "حفير مشو"، شمالي البلاد، حيث أكمل في تلك الأنحاء دراسته حتى المرحلة الثانوية، ليعمل بعدها موظفا بالخدمة المدنية لفترة محدودة.
وبعدها التحق صالح بالكلية الحربية في العام 1971، عندما كان الجنرال، جعفر نميري مُحكما قبضته على البلاد، إثر انقلابه المدعوم من الشيوعيين في 1969.
وتخرج رئيس الحكومة الجديد الذي يتمتع بطول فارع وبنية جسمانية قوية من الكلية الحربية برتبة ملازم في 1973.
وخلال مسيرته العسكرية التي كان عنوانها "الانضباط"، كما يتفق على ذلك أبناء دفعته، شارك في عدد من الدورات التدريبية، داخل وخارج السودان، ضمن عمله في وحدة المظلات، وهي بمثابة قوات النخبة.
ووفقا لسيرته المنشورة على الموقع الرسمي للقصر الرئاسي، تلقى صالح دورة "قادة قفز مظلي" في مصر، ودورة "قوات خاصة" في العراق، ودورة "إمداد جوي" في السعودية.
وتخرج الرجل أيضا من كلية القادة والأركان السودانية، قبل أن يعمل قائدا للقوات الخاصة على فترتين، بين العامين 1985 و1989، واللذين كان الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة المعارض، يرأس خلالهما، آخر حكومة منتخبة.
وكان صالح قد ذهب إلى مصر للمشاركة بدورة "كتائب صاعقة" في 1989، أي العام الذي أذاع فيه البشير بيانه الأول ،كحاكم عسكري للبلاد.
بعدها أخذت مسيرة الرجل طابعا سياسيا، وإن كان يغلب على المناصب التي تنقل فيها على مدار الـ 28 عاما الماضية، الطابع العسكري والأمني.
عمل رئيس الحكومة الجديد، مديرا لجهاز المخابرات من 1990 إلى 1995، ليتقلد بعدها وزارة الداخلية حتى العام 1998، ومنها إلى وزارة شئون الرئاسة حتى العام 2000.
وتولى صالح حقيبة الدفاع من العام 2000 إلى 2005، وهي فترة حساسة شهدت اندلاع الحرب الأهلية في إقليم دارفور غربي البلاد.
ومن الدفاع، عاد الفريق أول مرة أخرى إلى وزارة شئون الرئاسة التي تجعله بحكم متطلباتها ملازما للبشير في أغلب الأحيان، واستمر فيها حتى ديسمبر/ كانون الأول 2013 عندما سطع نجمه بتعيينه نائبا أولا للرئيس.
وجاء تعيين صالح وفقا لتعديل وزاري أقره البشير، ضمن خطة إصلاحية، بعد أشهر من أقوى احتجاجات على مدار حكمه،خلفت عشرات القتلى، وكانت ردا على خطة تقشف قاسية.
وبعدها لمع صالح كرجل محوري في تنفيذ الخطة الإصلاحية، بإشرافه المباشر على أداء الوزارات والدواويين الحكومية.
ويوما تلو آخر بدأ يترسخ نفوذ النائب الأول في وسائل الإعلام المحلية، رغم شح حديثه إليها، وزهده في حضور الاحتفالات والخطب الجماهيرية التي كانت على الدوام من روافع النظام.
وترسخ هذا الاعتقاد عندما عينه الرئيس السوداني رسميا، الخميس الماضي، رئيسا للوزراء، وهو منصب استحدث لأول مرة في عهد البشير، مع الاحتفاظ بمنصب النائب الأول.
وكان استحداث المنصب واحدا من توصيات حوار وطني دعا له البشير ضمن خطته الإصلاحية، لكن قاطعته غالبية فصائل المعارضة بشقيها المدني والمسلح.
والحال كذلك فإن ما يضع تعيين الرجل على المحك هو النظرة العامة له كعسكري أكثر منه سياسي، لكن اللواء المتقاعد، محمد الأمين خليفة، أحد الضباط الذين شاركوا مع البشير في تنفيذ الانقلاب، يرى غير ذلك.
وفي تعليقه للأناضول قال خليفة إن "صالح بالفعل عسكري أكثر منه سياسي لكن له خبرة تراكمية تسعفه على بناء علاقات سياسية تتماشى مع وظيفته الجديدة".
خليفة الذي غادر السلطة منحازا لزعيم الإسلاميين الراحل حسن الترابي الذي أبعده البشير في 1999، يعضد رؤيته بشخصية صالح "الوفاقية".
وبينما يشير البعض إلى "صرامة" رئيس الوزراء التي قد تعيق أدائه في منصب يتطلب أول ما يتطلب المرونة، يلفت اللواء المتقاعد إلى أن هذه الصفة "يخالطها حس دعابة وإن كان لا يرقى للدرجة التي يتميز بها البشير".
وبالنسبة إلى إبراهيم السنوسي، زعيم حزب المؤتمر الشعبي الذي أسسه الراحل، حسن الترابي، فإن تعيين صالح "اختيار موفق لأنه شخصية محبوبة عند الجميع".
وأضاف السنوسي في مؤتمر صحفي عقده البشير، مع زعماء القوى التي قبلت دعوته للحوار، بعد أداء صالح للقسم، إن الأخير كان دائما في موضع "اتخاذ القرارات الصعبة".
وأبدى زعيم المؤتمر الشعبي، حزب المعارضة الوحيد الذي يتمتع بشعبية وقبل دعوة الحوار، ثقته في قدرات صالح لـ"تنفيذ الإصلاحات" التي أقرها مؤتمر الحوار.
وبهذه المعطيات، فإن المهم عند أكثرية المعلقين السياسين، ليس تعيين صالح رئيسا للوزراء، بل أن الخطوة مؤشر على خلافته للرئيس البشير الذي تعهد أكثر من مرة بعدم الترشح، عندما تنتهي ولايته في 2020.
وما يعضد ذلك أن تعيينه أتى في وقت ترتفع فيه شعبيته كوجه إصلاحي بجانب سيرته الخالية من تهم الفساد واستغلال النفوذ التي تلاحق كثير من القادة الحكوميين.
news_share_descriptionsubscription_contact


