إسطنبول/ إحسان الفقيه/ الأناضول
وصف أكاديميون وباحثون مغاربة، تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، خلال زيارته الأخيرة لمخيم اللاجئين الصحراويين في الجزائر منتصف آذار/ مارس الماضي، والتي قال فيها إنه "يتفهم غضب الشعب الصحراوي تجاه استمرار احتلال أراضيه"، بأنها تمثل خروجاً عن ميثاق منظمته الدولية والحيادية المفترضة لها.
فيما اعتبر "وزير الإعلام الصحراوي" التابع لجبهة البوليساريو، "الضجة التي أثارتها المغرب"، حول تصريحات كي مون، بأنها "محاولة للتنصل من الالتزامات التي وقعتها مع الجبهة".
ولاقتْ تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، موجةً من ردود فعل ساخطة من الحكومة المغربية، التي اتهمته "بالتخلي عن الحيادية، وتشجيع قيام كياناتٍ وهمية"، حسبَ تصريحاتٍ رئيس الوزراء عبد الإله بنكيران، في وقت سابق.
وفي تصريحات لـ"الأناضول"، قال "وزير الإعلام الصحراوي"، حمادة سلمة، إن "الضجة التي أثارتها الرباط حول تصريحات بان كي مون، محاولة للتنصل من الالتزامات التي وقعتها مع جبهة البوليساريو تحت إشراف الأمم المتحدة".
وأضاف سلمة، أنّ "نعت المغرب بالدولة المحتلة لمْ يبتدعه الأمين العام، بل وردت في العديد من وثائق الأمم المتحدة وخصوصا الجمعية العامة منذ السبعينات، وصفت المغرب بالمحتل وطالبته بوقف احتلاله اللاشرعي للصحراء الغربية"، على حد قوله.
واتهم "الوزير" الصحراوي، المغرب بمحاولة "تفريغ بعثة مينورسو (بعثة الأمم المتحدة في الصحراء) من محتواها، وجعلها أداة لتكريس الواقع الاستعماري"، حسب تعبيره.
ورأى، أنّ "طرد المغرب للعاملين في الشق السياسي من أعضاء البعثة والإبقاء على الأعضاء في الشق العسكري يُراد به ضمان وقف إطلاق النار فقط بعيداً عن الهدف الذي أُنشئت من أجله (مينورسو) المتمثل في تنظيم استفتاء تقرير المصير للشعب الصحراوي".
وكانت الحكومة المغربية قد ردت على تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، بقرار تقليص جزء كبير من المكوِّن المدني وخاصة الشق السياسي من بعثة المينورسو، وسحب إسهاماته المالية التطوعية المخصصة للبعثة الأممية.
كما قال بيان للخارجية المغربية، الشهر الماضي، إن الرباط تبحث سحب التجريدات (التشكيلات العسكرية)، التي تشارك بعمليات حفظ السلام الأممية.
وطالب "سلمة" مجلس الأمن الدولي باتخاذ "قرارات حازمة خلال اجتماعه المقبل لتحديد جدول زمني لإجراء الاستفتاء (في إقليم الصحراء)، وتمكين بعثة الأمم المتحدة من مزاولة مهامها الرئيسية بشقيها السياسي والعسكري".
وفي السياق، رفضَ الأكاديمي المغربي محمد ظريف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني بالمغرب، "اختزال الخلافات بين المغرب والأمم المتحدة بتصريحاتٍ صدرت عن أمينها العام".
وأضاف في تصريح للأناضول، أنّ "المغرب لديه الكثير من التحفظات على سلوك بان كي مون، وممثله الشخصي اللّذين يُفترض بهما التزام الحيادية في التعامل مع طرفي النزاع".
وذكرَ "ظريف"، أنّ "ما يسمى بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية ليس معترفاً بها من المغرب، كما أنّ الأمم المتحدة لا تعترفُ بها هي الأخرى؛ ومع هذا، يخرج الأمين العام عن ميثاق المنظمة الدولية ليؤدي التحية لعلم تلك الجمهورية".
واتهمَ "ظريف" بان كي مون، بالضلوع في "مؤامرةٍ كبيرةٍ تستهدفُ سيادة المغرب ووحدة ترابه الوطني".
من جانبهِ، وصف رئيس الجمعية المغربية للحفاظ على الذاكرة التاريخية للصحراء(غير حكومية)، سيبويه عبد الفتاح، الأزمة بين الحكومة المغربية والأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، بأنها "أزمةٌ عابرة".
ورأى، في حديثه لـ"الأناضول"، أنّ استمرارها "لنْ يطولَ كثيراً حيث ستنتهي مع انتهاء ولاية بان كي مون بعد عدّةِ شهور".
وانتقد "عبد الفتاح"، "سلوك" الأمين العام للأمم المتحدة، خلال زيارته الأخيرة للصحراء وتصريحاته المتعلقة بوصف الوجود المغربي بـ"الاحتلال"، وقال إنّ "هذا يشكّلُ خروجاً عن الحيادية المُفترضة ضمن مسؤوليته المهنية على رأس منظمةٍ دوليةٍ تسعى لإحلال الأمن والسلم الدوليّين في مناطقِ النزاعات".
وقلّل من تأثير موقف بان كي مون، الذي وصفه بـ"المنحاز" على مستقبل "حل قضية الصحراء طالما أنّ القرار الحقيقي بيد أعضاء مجلس الأمن دائمي العضوية".
وقال "عبد الفتاح"، إنّ "الحل الدائم لقضية الصحراء قريبٌ جداً لكنه بحاجة إلى قرارٍ حازمٍ يتخذهُ أعضاء مجلس الأمن الدولي لإنهاء أزمةٍ تعيشها المنطقة منذُ أربعة عقود".
وفي سياقٍ متصل، رأى الأكاديمي المغربي، خالد الشكراوي، أستاذ الدراسات الإفريقية والعربية في جامعة محمد الخامس بالرباط، أنّ "البعثة الأممية فشلت في تحقيق أهدافها منذ العام 2007 عندما أقرّتْ بعجزها عن إجراء استفتاء تحديد الهوية، واستحالة إعداد لوائح مَنْ يحقُّ لهم التصويت".
وأضاف لـ"الأناضول"، "مع ذلك ظلّت الحكومة المغربية تُقدم ما يكفي من الدعم اللازم للبعثة الأممية (مينورسو) فيما يتعلق بمقراتِ إقامتهم وعملهم، وتوفير المواد الغذائية والوقود بأسعارٍ مدعومة"، على حدّ قوله.
وأوضحَ، أنّ الإجراءات المغربية الأخيرة بخفض عدد العاملين في البعثة طالتْ مجموعة من العاملين في الشق السياسي لها المتعلق بمهمة تحديد الهوية، وهؤلاء لمْ تعد لهم أيّة مهمةٍ يمارسونها منذُ إقرار البعثة لفشلها في هذه المهمة.
وفي السياق، رأى "الشكراوي"، أن قيام كيان في إقليم الصحراء، "سيشجعُ على مزيد من تقسيم دول العالمين العربي والإسلامي، وستكون بيئة حاضنة للتنظيمات المتطرفة".
من جهةٍ أخرى، قال الباحث المغربي المتخصص في الشؤون الصحراوية، عبد الله حافيظي السباعي، إن "تكرار الأزمات المفتعلة بين الحكومة المغربية وبعثة الأمم المتحدة(مينورسو)، جاء بفعل ممارساتٍ خاطئةٍ يتعمدها ممثلو الأمين العام للأمم المتحدة ضدّ المغرب".
ورأى "السباعي" في تصريح للأناضول، أنّ معظم أسباب الأزمة تعود إلى "العداء الواضح الذي يحمله المبعوث الأممي كريستوفر روس للمغرب".
وانتقدَ قبول الحكومة المغربية بعودة المبعوث الأممي لممارسة مهامه، "بعد الأزمة الماضية التي طلبت فيها الحكومة إبعاده عن لعب أيّ دورٍ في قضية الصحراء".
ورأى "السباعي"، أنّ الحل الوحيد الذي يمكن أنْ يكون حلاً عادلاً هو "إقرار الحكم الذاتي الموسع تحت السيادة المغربية، وهو حل يتوافق مع معادلة لا غالب ولا مغلوب، ويضمن رضا الأطراف المتنازعة".
وبدأت قضية الصحراء عام 1975، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده في المنطقة، ليتحول النزاع بين المغرب وجبهة "البوليساريو" إلى نزاع مسلح، استمر حتى عام 1991، وتوقف بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار.
وأعلنت "البوليساريو" قيام "الجمهورية العربية الصحراوية"، عام 1976 من طرف واحد، اعترفت بها بعض الدول بشكل جزئي، لكنها ليست عضواً بالأمم المتحدة، وفي المقابل عمل المغرب على إقناع العديد من هذه الدول بسحب اعترافها بها في فترات لاحقة، وتسبب الاعتراف من طرف الاتحاد الأفريقي سنة 1984 إلى انسحاب الرباط من المنظمة الأفريقية.
وتصر الرباط على أحقيتها في إقليم الصحراء، وتقترح كحل حكماً ذاتيا موسعا تحت سيادتها، بينما تطالب "البوليساريو" بتنظيم استفتاء لتقرير مصير المنطقة، وهو طرح تدعمه الجزائر التي تؤوي النازحين الفارين من الإقليم بعد استعادة المغرب لها إثر انتهاء الاحتلال الإسباني.
news_share_descriptionsubscription_contact
