النبطية / وسيم سيف الدين / الأناضول
- جنوبي لبنان يستعد لعام دراسي جديد على وقع العدوان الإسرائيلي المتواصل
- معلمة: التعليم نوع من المقاومة وسنواصل الدراسة رغم الظروف الصعبة
- مديرة مدرسة: مستعدون للعام الدراسي وخططنا تراعي احتمال تجدد النزوح
- الطالب علي عاصي: الظروف الصعبة تجعل مواصلة التعليم أكثر أهمية
بين مدارس تضررت بفعل الحرب وأخرى تحولت إلى مراكز لإيواء النازحين، وآلاف الأطفال بعيدين عن بلداتهم، يحاول جنوبي لبنان استعادة مشهد العام الدراسي مع اقترابه في 15 سبتمبر/ أيلول الجاري.
ولا تبدو العودة إلى مقاعد الدراسة هذا العام مهمة اعتيادية للعائلات والتلاميذ في محافظتي الجنوب والنبطية، إذ تتزامن مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة التي فرضتها الحرب.
وبعد نحو 6 أشهر على تجدد الحرب بين إسرائيل و"حزب الله"، لا يزال آلاف الأطفال نازحين من بلداتهم الجنوبية، فيما يقيم بعضهم في مدارس تحولت إلى مراكز إيواء، ويعيش آخرون في شقق مستأجرة مكتظة مع أفراد عائلاتهم.
العائلات النازحة التي لجأت إلى المدارس تواجه سؤالا يتجاوز مسألة التعليم: أين ستقيم عندما تستعيد المدارس وظيفتها التعليمية؟ وكيف سيتمكن أطفالها من متابعة دراستهم في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار؟
وبحسب إحصاءات حصلت عليها الأناضول من مصدر خاص، تضررت 258 مدرسة جراء الحرب في 5 محافظات، يدرس فيها 71 ألفا و446 طالبا ويعمل فيها 6 آلاف و823 معلما، فيما تستخدم 21 مدرسة من المدارس المتضررة مراكز لإيواء النازحين.
وتظهر البيانات أن 30 مدرسة دمرت بالكامل، وكانت تضم 3 آلاف و995 طالبا و584 معلما، ولا تستخدم أي منها مركزا للإيواء.
كما تعرضت 22 مدرسة لأضرار جسيمة، تضم 6 آلاف و505 طلاب و656 معلما، وتستخدم مدرستان منها مركزين للإيواء.
وتعرضت 77 مدرسة لأضرار متوسطة، تضم 22 ألفا و568 طالبا وألفين و55 معلما، وتستخدم 7 منها مراكز للإيواء.
أما المدارس التي تعرضت لأضرار طفيفة، فبلغ عددها 129، وتضم 38 ألفا و378 طالبا و3 آلاف و528 معلما، وتستخدم 12 منها مراكز لإيواء النازحين.
وتظهر البيانات أن محافظتي الجنوب والنبطية تستحوذان على الجزء الأكبر من المدارس المتضررة، بإجمالي 206 مدارس من أصل 258.
وفي محافظة الجنوب، تضررت 109 مدارس رسمية، تضم 31 ألفا و138 طالبا و2691 معلما، فيما تستخدم 16 مدرسة متضررة مراكز للإيواء.
وفي محافظة النبطية، تضررت 97 مدرسة، تضم 22 ألفا و848 طالبا و2509 معلمين، فيما تستخدم 4 مدارس متضررة مراكز للإيواء.
كما تضررت 24 مدرسة في محافظة بعلبك-الهرمل، تضم 7 آلاف و954 طالبا و683 معلما، دون تسجيل مدارس متضررة تستخدم مراكز للإيواء.
وفي محافظة جبل لبنان، تضررت 20 مدرسة، تضم 7 آلاف و230 طالبا و698 معلما، فيما تستخدم مدرسة واحدة متضررة مركزا للإيواء.
أما في محافظة البقاع، فتضررت 8 مدارس تضم ألفين و276 طالبا و242 معلما، دون وجود مدارس متضررة تستخدم مراكز للإيواء.
ومع حجم الأضرار واستمرار استخدام مدارس مراكز لإيواء النازحين، تبدو العودة الكاملة إلى التعليم الحضوري تحديا كبيرا، وسط مخاوف من أن يجد آلاف الأطفال أنفسهم أمام عام مضطرب.
وفي محاولة لتفادي مزيد من الانقطاع عن التعليم، دعت وزارة التربية والتعليم العالي الأهالي والطلاب النازحين أو الموجودين في مناطق مختلفة إلى تسجيل أبنائهم في أقرب مدرسة رسمية متاحة.
كما اتجهت الجهات الرسمية والمدارس إلى اعتماد خطط أكثر مرونة تقوم على التعليم الحضوري متى سمحت الظروف الأمنية، مع إبقاء التعليم عن بعد خيارا متاحا في القرى والبلدات الأكثر تأثرا بالتصعيد.
وبينما تستعد المدارس التي لا تزال قادرة على العمل لاستقبال طلابها، يبقى مستقبل التعليم في الجنوب مرتبطا بتطورات الوضع الأمني وقدرة السلطات والمؤسسات التعليمية على توفير بدائل.
فالأضرار الواسعة التي لحقت بالمدارس، إلى جانب استمرار النزوح والتصعيد، تجعل استعادة العملية التعليمية بصورة طبيعية تحديا يتجاوز مجرد فتح أبواب المدارس في موعدها.
ومع ذلك، تمثل محاولات المدارس والمعلمين والأهالي والطلاب للعودة إلى الصفوف سعيا لاستعادة جانب من الحياة الطبيعية في منطقة دفعت ثمنا باهظا جراء الحرب.
ولا تزال آثار الدمار حاضرة في المدارس والبلدات، لا يبدو الجرس المدرسي مجرد إعلان عن بدء عام دراسي جديد، بل محاولة لإبقاء التعليم والحياة قائمين رغم المخاوف من تجدد التصعيد.
في إحدى مدارس منطقة النبطية، تعكس الاستعدادات للعام الدراسي محاولة لاستعادة الحياة الطبيعية في مكان لا تزال آثار الحرب حاضرة فيه.
مديرة مدرسة "Stars College" ليلى الحاف، قالت للأناضول، إن الإدارة اتخذت قرارا باستئناف الدراسة بعد إعلان وقف إطلاق النار، وبدأت خلال فترة قصيرة أعمال الترميم والتحضير اللوجستي والأكاديمي.
وأضافت أن المدرسة التي تضررت بشكل كبير خلال الحرب، حرصت على معالجة الأضرار الظاهرة وتجهيز المكان لاستقبال الطلاب.
وأوضحت الحاف أن التحضيرات شملت أيضا ورش تدريب للمعلمين والاستعدادات الأكاديمية واللوجستية.
وأشارت إلى أن التسجيل شهد أعدادا أقل بقليل مقارنة بالعام الماضي، وهو ما ربطته أيضا ببقاء بعض المنازل في المنطقة خالية من سكانها.
لكن التحدي الأكبر، بحسب الحاف، لا يتعلق بالتحضيرات المدرسية نفسها، بل بالتقلبات الأمنية التي يمكن أن تعيد الأهالي إلى دائرة الخوف والنزوح.
وقالت إن المدرسة قد تكون في وضع مستقر وتستعد بصورة طبيعية لانطلاق العام الدراسي، قبل أن تؤدي غارة أو تطور أمني إلى إثارة مخاوف السكان ودفع بعضهم إلى مغادرة المنطقة مجددا.
ولفتت إلى أن المدرسة وضعت خطة بديلة تحسبا لذلك، تتضمن مبنى مؤقتا في فرعها الجديد بمنطقة الدبية لاستقبال عدد من التلاميذ، إلى جانب إبقاء التعليم الإلكتروني متاحا.
وبموجب هذه المرونة، يستطيع الطالب الانتقال بين التعليم الحضوري وعن بعد وفق تطورات الوضع الأمني، كما يمكن للطلاب الذين اضطروا إلى مغادرة لبنان متابعة دراستهم إلكترونيا مع المدرسة نفسها.
واعتبرت الحاف أن استمرار المدارس في الجنوب والنبطية يتجاوز البعد التعليمي، إذ يشكل بقاء المؤسسات التعليمية جزءا من قدرة السكان على التمسك بأرضهم والاستمرار فيها.
وقالت إن المرحلة "دقيقة جدا"، وإن على المدارس بذل جهد أكبر للحفاظ على التعليم في المنطقة، لأن مغادرة المدارس تعني عمليا إضعاف أحد أهم مقومات الحياة في الجنوب.
ولا يقتصر قرار العودة إلى المدارس على إدارات المؤسسات التعليمية، بل يشمل أيضا المعلمين والأهالي الذين يجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة بين الخوف من التصعيد والرغبة في استمرار الحياة.
وقالت ملاك الحاج حسين، وهي ولية أمر ومعلمة في المدرسة، إن عائلتها كانت موجودة في المنطقة قبل الحرب، وإنها اضطرت إلى المغادرة عندما فرضت الظروف ذلك، لكنها عادت مع إمكانية العودة.
ورأت الحاج حسين أن بقاء المدرسة يحتاج إلى وجود الطلاب والمعلمين والأهالي، معتبرة أن استمرارهم في المنطقة يمثل مسؤولية تجاه التعليم والمجتمع المحلي.
وأقرت بأن الخوف لا يزال حاضرا، لكنها أشارت إلى أن مغادرة المنطقة عند الضرورة لا تعني التخلي عن التعليم، إذ يمكن للطلاب متابعة دروسهم عن بعد إلى حين تحسن الظروف.
واختصرت موقفها بالقول إن التعليم بالنسبة إليها "نوع من أنواع المقاومة"، وإن الاستمرار في الدراسة يجب أن يبقى قائما حتى في أصعب الظروف.
وبينما يحاول الكبار توفير الظروف اللازمة لاستمرار الدراسة، يجد الطلاب في العودة إلى مدارسهم معنى يتجاوز استئناف الدروس.
الطالب علي عاصي، جاء هذا العام للتسجيل في مدرسة Stars College التي أمضى فيها 15 عاما، مؤكدا أن الظروف الصعبة تجعل مواصلة التعليم أكثر أهمية.
وقال عاصي إن العلم يمثل جزءا أساسيا من حياته، وإن استئناف الدراسة يساعده وزملاءه على تجاوز المرحلة الصعبة التي يعيشونها.
وعند عودته إلى المدرسة، قال إنه شعر بالحماس، وبالفخر لتجاوز المصاعب التي مرت بها المنطقة واستئناف عام دراسي جديد.
وتتواصل الاعتداءات الإسرائيلية على جنوبي لبنان، رغم "صيغة إطار" وقعتها بيروت وتل أبيب في 26 يونيو/ حزيران الماضي، تنص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي المحتلة مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها.
وتحتل إسرائيل مناطق في جنوبي لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى منذ الحرب التي دارت بين عامي 2023 و2024، فيما وسعت نطاق وجودها داخل الأراضي اللبنانية خلال عدوانها الراهن.
news_share_descriptionsubscription_contact
