غزة/ حسني نديم/ الأناضول:
الفلسطيني موسى دبور:
- عند وصولنا إلى مركز المساعات تعرضنا لإطلاق نار استمر نحو 40 دقيقة
- أصيب شقيقي حسين برصاصة في البطن ما أدى إلى مقتله كما قتل جارنا
- شقيقي محمد أصيب في وجهه بالرصاص ما أدى إلى فقدانه البصر بالكامل
- كل ما نطلبه هو أن نحصل على فرصة للعلاج قبل أن يضيع الأمل
داخل منزل صغير في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، يعيش الشقيقان موسى ومحمد دبور على وقع مأساة واحدة: فقدا شقيقهما الأصغر حسين خلال رحلة خرجوا فيها بحثًا عن الطعام.
ليس فقد الشقيق هو مأساتهما الوحيدة، فأحدهما فقد عينه والآخر بصره بالكامل برصاص إسرائيلي قرب مركز لتوزيع المساعدات.
وبين صورة الأخ الراحل والتحويلات الطبية التي لم تتحول إلى فرصة للعلاج، يواصل الشقيقان معركة يومية مع إعاقة غيرت حياتهما.
ويجلس الشقيق الأكبر موسى مستندًا إلى أريكة في الغرفة، فيما تبدو آثار الإصابة واضحة على وجهه، وتغطي عينه اليمنى غرز طبية، بينما يعتمد على عينه اليسرى في الرؤية.
ويجلس محمد، الذي فقد بصره بالكامل إثر إصابته في وجهه في ذات الحادثة، إلى جواره، كما أصيب بكسور في الفك ومشكلات في التنفس، ليصبح الشقيقان بحاجة إلى بعضهما في تفاصيل حياتهما اليومية.
** ذكريات الأشقاء
وبينما يتحدث موسى، يستعرض عبر جهاز لوحي صورا قديمة تجمعه بشقيقيه قبل إصابتهما ومقتل حسين، في محاولة لاستعادة تفاصيل حياة كانت تبدو عادية قبل أن تغيرها الحرب الإسرائيلية التي اندلعت في الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وتظهر في الصور ابتسامات الأشقاء الثلاثة، فيما تبدو اليوم صورة حسين المعلقة على الجدار شاهدة على غيابه، بينما يعيش موسى ومحمد مع آثار إصابات غيّرت حياتهما بشكل كبير.
وشنت إسرائيل، في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حرب إبادة جماعية بدعم أمريكي، استمرت عامين وخلفت أكثر من 73 ألف قتيل وما يزيد على 173 ألف جريح، إضافة إلى دمار واسع طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.
ورغم سريان اتفاق لوقف إطلاق النار منذ أكتوبر 2025، ما زالت إسرائيل تنتهكه وتواصل حصار غزة، مع فرض قيود مشددة على حركة الأفراد والبضائع والمساعدات، فضلا عن مواصلة عملياتها العسكرية التي أسفرت عن مقتل 1250 فلسطينيا وإصابة 4110 آخرين، معظمهم أطفال ونساء.
**رحلة بلا عودة
يروي موسى، في حديث مع الأناضول، الحادثة فيقول إنه وشقيقيه خرجوا معا بحثا عن الطعام، في يوليو/ تموز 2025، أثناء المجاعة التي كان يعيشها سكان قطاع غزة، وتوجهوا إلى أحد مراكز توزيع المساعدات التي يقصدها آلاف الفلسطينيين أملا في الحصول على ما يسد رمق أسرهم.
وفي 22 أغسطس/ آب 2025، أعلنت "المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي"، عبر تقرير، "حدوث المجاعة في مدينة غزة (شمال)".
ويقول موسى إنهم، عند وصولهم إلى المكان، تعرضوا لإطلاق نار استمر، وفق روايته، نحو 40 دقيقة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بين الموجودين.
وبحسب موسى، أصيب شقيقه حسين برصاصة في البطن، ما أدى إلى مقتله، كما قتل جار لهم كان برفقتهم.
أما محمد، فأصيب في وجهه بالرصاص، ما أدى إلى فقدانه البصر بالكامل، إضافة إلى إصابته بكسور في الفك ومشكلات في التنفس، فيما أصيب موسى بشظايا في وجهه وعينيه.
ورغم إصابته، يقول موسى إنه حاول نقل شقيقيه وعدد من المصابين إلى مكان آمن بواسطة مركبة ثلاثية العجلات "تكتك"، وسط استمرار إطلاق النار.
** أصعب اللحظات
ويصف موسى تلك اللحظات بأنها كانت من أصعب مراحل حياته، إذ كان مصابا وينزف، لكنه حاول مساعدة شقيقيه والمصابين ونقلهم بعيدا عن منطقة الخطر.
بعد تلك الحادثة، لم تعد حياة الشقيقين كما كانت من قبل؛ إذ فقد محمد بصره، فيما فقد موسى إحدى عينيه، وأصبح كلاهما بحاجة إلى رعاية طبية متخصصة.
داخل المنزل، تبدو تفاصيل الحياة اليومية مختلفة بالنسبة للشقيقين.
ينهض موسى من مكانه، ويمسك بكتف محمد، الذي فقد القدرة على الرؤية، ويبدأ الاثنان في التحرك ببطء داخل الغرفة.
يمشي محمد مستندا إلى شقيقه، فيما يحاول موسى إرشاده إلى المكان الذي يقصده، في اعتماد متبادل فرضته الإصابات التي تعرضا لها.
يقول موسى إن شقيقه محمد يحتاج إلى مساعدته في التنقل، بينما يحتاج هو إلى من يساعده في بعض تفاصيل حياته، في ظل إصابته وفقدانه إحدى عينيه.
ويضيف أن إصابات شقيقه أثرت في قدرته على ممارسة حياته بشكل طبيعي، فيما لا يزال هو يعاني من آثار إصاباته في الوجه والعين.
ويعود الشقيقان إلى الجلوس تحت صورة شقيقهما حسين، في منزل بات يحمل مرارة غياب أحد أفراده، وآثار إصابة اثنين آخرين.
** تحويلات بلا سفر
يحمل موسى أوراقا وتحويلات طبية خاصة به وبشقيقه محمد، ويقول إنهما بحاجة إلى السفر خارج قطاع غزة لتلقي العلاج اللازم، في ظل صعوبة توفير العلاج المتخصص داخل القطاع.
ويشير إلى أن حالته وحالة شقيقه تحتاجان إلى متابعة طبية متخصصة، معتبرا أن استمرار عدم تمكنهما من السفر يزيد من معاناتهما الصحية.
ويقول موسى للأناضول: "كل ما نطلبه هو أن نحصل على فرصة للعلاج قبل أن يضيع الأمل".
ويضيف: "أنا أصبحت عينا لي ولأخي محمد. لدينا تحويلات طبية، ونناشد أصحاب الضمير في العالم التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان".
تبقى صورة الراحل حسين معلقة على جدار المنزل، فيما يتذكر شقيقاه أيامهم السابقة، حين كانوا يعيشون معا حياة عادية قبل أن تفرقهم الحرب والإصابات.
وفي أكتوبر 2025، قالت المقررة الخاصة السابقة للأمم المتحدة لحق الإنسان في الغذاء، هلال الفار، إن وقف إسرائيل هجماتها على قطاع غزة لا يعني نهاية معاناة الفلسطينيين من الجوع.
وأضافت، في تصريح للأناضول، أن إسرائيل استخدمت التجويع شكلا من أشكال الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة.