Ramzi Mahmud
08 أبريل 2026•تحديث: 08 أبريل 2026
شمال غزة/ رمزي محمود/ الأناضول
** صاحب المبادرة المزارع الفلسطيني أحمد خضير:
- رغم الظروف القاسية وتدمير الأراضي الزراعية في غزة أطلقنا مبادرة لزراعة 10 دونمات بالخضار
- نأمل بإنتاج الخضروات ذاتياً في ظل الاعتماد الكلي في غزة على الاستيراد
** لؤي رجب مدير العلاقات العامة في وزارة الزراعة بغزة:
- المساحات المزروعة حالياً لا تتجاوز 5 في المئة من إجمالي الأراضي الزراعية في ظل تدمير واسع
- 87 بالمئة من الأراضي في غزة جرفت أو تضررت خلال حرب الإبادة
داخل قطعة أرض وسط أكوام الركام في منطقة "التوام" شمال غربي قطاع غزة، يغرس المزارع الفلسطيني أحمد خضير بذور الخيار وأشتال الطماطم، مستبشراً أن تنبت له بعد أسابيع قليلة محصولاً طيباً.
يعود خضير إلى مهنته التي يحبها، متحدياً الظروف القاسية وتدمير القطاع الزراعي في غزة بشكل شبه كلي جراء حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على القطاع التي بدأت في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 واستمرت عامين؛ سعياً لاستعادة مصدر رزقه المفقود خلال الحرب.
وأبادت الحرب الإسرائيلية 100 دونم زراعي كان يمتلكها أحمد خضير في بلدة بيت لاهيا شمالي القطاع، لكنه لا يستطيع الوصول إليها إذ ما زال الجيش الإسرائيلي يحتلها.
وفي مشهد يختلط فيه الأمل بالتحدي، أطلق المزارع خضير مبادرة لزراعة 10 دونمات (الدونم يساوي ألف متر مربع) من الخضروات في منطقة التوام في محاولة لإحياء الإنتاج المحلي وسط انهيار للقطاع الزراعي بفعل الحرب.
يقول خضير إن مبادرته "تأتي في ظل اعتماد شبه كامل لسكان القطاع على استيراد الخضروات، نتيجة تدمير الأراضي الزراعية وانعدام القدرة على الإنتاج المحلي".
ويضيف في حديث مع الأناضول: "نسعى لإيجاد بارقة أمل تعيد الزراعة إلى غزة وتوفير الخضروات بأسعار مقبولة للناس".
** اكتفاء ثم عجز
قبل الحرب، كان خضير يزرع الفراولة ومختلف أنواع الخضروات في أرضه، إلا أن الإبادة الجماعية غيرت كل شيء.
ويقول: "توقفنا عن الزراعة بالكامل، وجرفت أراضينا كما معظم أراضي شمال القطاع، وأصبحت غير صالحة للزراعة، فضلاً عن وقوعها وراء ما يسمى بالخط الأصفر الذي ما زال تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي".
ويفصل ما يسمى "الخط الأصفر"، وهو خط وهمي انسحب إليه الجيش الإسرائيلي داخل غزة في إطار اتفاق وقف إطلاق النار، بين مناطق سيطرته الكاملة شرقا والتي تبلغ نحو 53 بالمئة من مساحة القطاع، والمناطق التي يسمح للفلسطينيين بالتواجد فيها غربا.
ويضيف خضير أن هذا الواقع "دفعه إلى التفكير بإطلاق مبادرة تعيد الحياة ولو جزئياً إلى الأرض، قائلاً: "قررنا البدء من جديد رغم كل الصعوبات".
** إمكانات محدودة
تعتمد مبادرة خضير على استئجار قطعة أرض بمساحة 10 دونمات، بمشاركة خمسة من إخوته وصديق لهم، حيث بدأوا بزراعة الخيار والطماطم والباذنجان، إلى جانب أي بذور أو أشتال متوفرة.
ويشير خضير إلى أن الدافع الأساسي وراء المبادرة هو "الحاجة والبطالة" التي يعاني منها هو وشركاؤه منذ بداية الحرب، إضافة إلى الارتفاع الكبير في أسعار الخضروات.
ويضيف: "الناس اليوم بالكاد يستطيعون شراء الخضار، وإذا نجحت مثل هذه المبادرات وتكررت، ستنخفض الأسعار بشكل طبيعي".
ويعتمد السكان في غزة على استيراد الخضروات بشكل كامل من خلال المعابر التي تتحكم إسرائيل فيها، وتنتهج سياسة التقطير في إدخال المواد الغذائية والأساسية عبرها.
** تكاليف وتحديات
رغم بساطة الفكرة، تواجه المبادرة تحديات كبيرة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص الموارد. حيث يوضح خضير أن "تكاليف الزراعة اليوم باهظة جداً من وقود لتشغيل آبار المياه إلى الأسمدة والمبيدات والبذور، وكذلك أدوات الحرث والري".
ويبيّن أن الحصول على البذور أصبح مهمة شاقة: "نشتري البذور بصعوبة وبأسعار مرتفعة جداً، فبذرة الخيار الواحدة لا تتوفر بأقل من 3 شواقل (دولار واحد) في ارتفاع يساوي عشرة أضعاف ثمنها قبل الحرب".
كما تعاني البذور المتوفرة من تدني الجودة في بعض الأحيان بسبب قدمها، نتيجة طول فترة الحرب وتعطل سلاسل التوريد.
يوجه خضير نداءً إلى المؤسسات المحلية والدولية لدعم المبادرات الزراعية، قائلاً: "نحتاج إلى دعم حقيقي، سواء بتوفير الوقود أو الأسمدة أو المعدات اللازمة للزراعة والري؛ حتى نتمكن من الاستمرار".
ويؤكد أن نجاح هذه المبادرات "لا يقتصر على تحسين دخل المزارعين، بل يساهم أيضاً في استعادة جزء من الأمن الغذائي في غزة".
** واقع زراعي متدهور
وتشير بيانات رسمية أن المساحة الإجمالية للأراضي الزراعية في قطاع غزة تبلغ نحو 180 ألف دونم، أي ما يقارب نصف مساحة القطاع، إلا أن معظمها يقع حالياً في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
بهذا الصدد، يقول لؤي رجب مدير العلاقات العامة والإعلام بوزارة الزراعة في غزة، إن المساحات المزروعة حالياً لا تتجاوز 5 في المئة من إجمالي الأراضي الزراعية في ظل تدمير واسع طال هذا القطاع الحيوي.
ويوضح رجب في تصريح للأناضول، أن "قرابة 87 بالمئة من الأراضي الزراعية جرفت أو تضررت خلال حرب الإبادة، في حين ما زال قرابة 62 بالمئة من الأراضي تحتلها إسرائيل".
ويشير إلى أن "مناطق كانت تعد من أهم الرقع الزراعية في غزة، مثل منطقة المواصي جنوباً، تحولت إلى مناطق مكتظة بالنازحين".
ويتابع رجب: "قبل الإبادة الجماعية الإسرائيلية كان قطاع الزراعة في غزة يحقق اكتفاء ذاتياً في مختلف أصناف الخضروات، بل ويصدر يوميا نحو 300 طن، ما وفر دخلاً يومياً يقدر بمليون شيكل للمزارعين، أما اليوم، فقد بات معظم السكان يعتمدون على الخضروات المستوردة مرتفعة الثمن".
كما "كان يعمل في القطاع الزراعي نحو 55 ألف شخص، يعيش معظمهم اليوم في ظروف نزوح صعبة بعد فقدان مصادر رزقهم"، وفق رجب.
**بين الخطر والأمل
ورغم المخاطر الأمنية المستمرة، بما في ذلك إطلاق النار والقذائف من الجيش الإسرائيلي بشكل شبه يومي، يواصل خضير وشركاؤه العمل في أرضهم، ويقول: "نحن نعمل في ظروف خطيرة، لكننا مضطرون للاستمرار وتحدي الواقع".
ويختم حديثه بالقول: "نتمنى نجاح هذه المبادرة، ونأمل أن ينسحب الجيش إلى ما وراء ما يسمى بالخط الأصفر حتى نتمكن من العودة إلى أراضينا وإعادة إعمارها (..) نحن نتوكل على الله.. ونأمل التوفيق".
في ظل هذا الواقع الصعب، تبقى المبادرات الفردية مثل مبادرة أحمد خضير بارقة أمل صغيرة، لكنها تحمل في طياتها إمكانية إحياء قطاع زراعي كان يوماً شرياناً أساسياً للحياة والرزق في قطاع غزة.