إسطنبول/ الأناضول
احتلفت الجمعة وكالة الأناضول، التي تعتبر إحدى المؤسسات الرئيسية في تركيا، بذكرى تأسيسها الـ 98، حيث أن البيانات تشير إلى أنها انتقلت إلى عهد جديد في قضايا حيوية مثل إنتاج الأخبار الصحيحة وبثها بسرعة.
واليوم تبث الأناضول أخبارها بـ13 لغة، ولها مكاتب في 100 بلد، وتنتج ما متوسطه 1650 خبر يوميًا.
ويمكن قراءة حشد وكالة الأناضول لخبرتها المتراكمة على مدار 89 عامًا بشكل ملموس، على أنه مؤشر على عمل صحفي يتطلب إعادة حسابات للتوازنات على الصعيد العالمي.
ولدى النظر إلى مساحة تغطية وكالة الأناضول، فإنها تشمل بقعة جغرافية واسعة ممتدة من آسيا إلى أوروبا، ومن الأمريكيتين وحتى إفريقيا ومن الشرق الأوسط إلى البلقان، وهذا يقتضي المنافسة مع باقي وكالات الأنباء العاملة في تلك المناطق.
ويمكن رؤية هذه المنافسة في تبادل الأخبار المكتوبة من أرض الميدان، وفي حال النظر من زاوية أعلى، فإن المنافسة تجري في سياق من سيسيطر على التدفق العالمي للأخبار.
ويجب إضافة أن المنافسة التي يشهدها المجال الصحفي تسير بشكل متوافق مع مُثل وثقافة ومعتقدات وتاريخ البلدان المختلفة ووعودها تجاه الإنسانية، لذلك من الممكن تحليل أداء وكالة الأناضول من ناحية الإدارة والعمل الصحفي بالسنوات الأخيرة، من جهة نجاحها في إيصال صوت تركيا للعالم، ووضع حد للسيطرة الغربية على تدفق الأخبار العالمي.
من حرب الاستقلال إلى "غصن الزيتون"
إن وكالة الأناضول أوصلت صوت تركيا للعالم منذ تأسيسها. وعندما بدأت بثها في 6 أبريل/ نيسان 1920 بتعليمات من مصطفى كمال (مؤسس الجمهورية التركية)، كانت إسطنبول محتلة من البريطانيين ومجلس المبعوثان (البرلمان العثماني) متفرق، بعض نوابه منفيون إلى جزيرة مالطا، فيما شهد آخرون ممن توجهوا إلى أنقرة أولى جلسات مجلس الأمة الكبير (البرلمان) الذي افتتح بعد وكالة الأناضول بـ 17 يومًا.
وفي فترة شهدت إسكات مجلس المبعوثان الذي يجسد إرادة الشعب، ووقوع عاصمة العثمانيين تحت الإحتلال البريطاني، تأسست وكالة الأناضول من أجل شرح أحقية تركيا في حرب الاستقلال للداخل والخارج على حد سواء.
كما كان من بين أهداف تأسيس الوكالة، أمور هامة للغاية مثل ضمان الوحدة والتعاضد بين أبناء المجتمع، ووحدة العواطف، ورفع المعنويات من خلال إبراز الأبعاد الإيجابية في الأخبار المقدمة للمجتمع، وتحولها إلى صوت للبرلمان، وإفساد حملات التشويه الخارجية، وبهذا فإن الأناضول التي بدأت أنشطتها الصحفية في ظروف صعبة، تحولت خلال فترة قصيرة إلى المصدر الأول للمجتمع والصحف.
تأكيد أردوغان للـ"كفاح"، و" الاستمرارية"
أكد الرئيس رجب طيب أردوغان في رسالة التهنئة التي نشرها بمناسبة ذكرى تأسيس وكالة الأناضول، على موضوعي "الكفاح"، و"الاستمرارية"، إذ سلط الضوء على وظيفتها منذ تأسيسها وحتى اليوم من خلال عباراته التي قالها بالرسالة والمتمثلة بـ" أن وكالة الأناضول التي التزمت بفلسفة تأسيسها من خلال مواصلتها مهمة إطلاع الشعب على الأنباء الصحيحة والكاملة أثناء سير عملية غصن الزيتون كما أدتها خلال حرب الاستقلال (1919- 1923)، نجحت بفعاليتها وقوتها، بتبوء مكانة بين وكالات الأنباء الرائدة المعدودة في العالم".
ويمكن النظر إلى تطور الأناضول على أنه نتيجة ملموسة للتقدم نحو أهداف تركيا لعام 2023، حيث أن قدرتها على العمل الصحفي في 13 لغة بشكل متوافق مع أهداف تركيا، يعتبر مؤشرا على عدم ابتعادها عن أهم محدد لعصر التواصل.
إن هذا الوضع الجديد الذي يوفر الإمكانية لتركيا لتظهر نفسها بلغات مختلفة، تشكل "القوة الناعمة" للحملات التي تقودها تركيا في مجالات الاقتصاد والسياسة الخارجية والصناعات الدفاعية، لذلك فإن وكالة الأناضول، تعد أكثر من وكالة أنباء من أجل تركيا وإنما أرضية للكفاح، كما أكد كل من مصطفى كمال في بيان التأسيس، وأردوغان في رسالة التهنئة.
مجالات نشر الوكالات العالمية
يلاحظ أن بعض وكالات الأنباء التي تنافس الأناضول على المستوى العالمي، تأسست قبل الأناضول بفترة طويلة، بينها وكالة "هاواس" المؤسسة في فرنسا عام 1835 (المعروفة باسم أ ف ب)، و"أسوشيتد برس" المؤسسة في الولايات المتحدة عام 1846، و"رويترز" البريطانية المؤسسة عام 1849، حيث أن هذه الوكالات تقسم العالم بشكل يتوافق مع مستعمرات بلدانها، وتقدم أخبارها بشكل يتناسب مع هذا التقسيم.
ولدى بدء وكالة الأناضول بالبث عام 1920، كانت المساحة الإخبارية مُسيطر عليها بشكل مشترك من وكالتي "هاواس" و"رويترز"، حيث تبنت وكالة رويترز النشطة تحت سلطة البريطانيين الذين كانوا يحتلون إسطنبول، بث سياسة ضد حرب الاستقلال، ولذلك قام مصطفى كمال باتخاذ خطوات عديدة منها تأسيس وكالة الأناضول للحد من شراكة الوكالتين الفرنسية والبريطانية.
التوازن في التدفق الإخباري
على المستوى العالمي، يعد "التدفق الإخباري والاتصالاتي" من بين المجالات الرئيسية لمناقشة أبحاث الاتصالات الشاملة، وفي جوهر المسألة يمكن تدفق المعلومات في بُعد واتجاه واحد، كما أن اتجاه تدفق جميع الرسائل المنتجة من قبل التلفزيون والصحف والإذاعات والوكالات والمعروضة أمام القارئ للاستهلاك، هو من الغرب إلى الشرق.
ولإزالة إمكانية تشكل سوء الفهم، فإن اتجاه المعلومات التي يتم إنتاجها في الشرق، هو أيضًا من الغرب إلى الشرق، لأن نقطة انطلاق الرموز التي تحدد توليد المحتوى مصدرها وجهة نظر الوكالات الغربية.
فعلى سبيل المثال، قيمة الأخبار متناسبة عكسيا في الوكالات العالمية خلال نقلها نبأ عن مقتل مئات الأشخاص في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط جراء هجمات إرهابية أو مقتل الآلاف في هجمات جهات ترغب في استعمار هذه المناطق الجغرافية، مقارنة مع نقلها لنبأ عن وقوع هجوم مهما كان صغيرا في أوروبا أو الولايات المتحدة.
لغة الإعلام العالمي، تربط بين المناطق الواقعة خارج الغرب مع الفقر والكوارث والحروب، ونظرا لأن الغرب يفرض آراءه المسبقة على الآخرين بقوة السلاح، فشدة رد فعل الناس على أخبار من هذا النوع تكون هي تقريبا نفسها، حيث بالإمكان رؤية كيف يتم خلق رأي عام من خلال إفراد واسع لحالة هجوم مسلح قد تقع في بارس أو حالة احتجاز رهينة، مقابل خبر صغير عن مقتل مئات البشر في أفغانستان في هجوم واحد.
لذا فإن من العديد من البلدان، تضطر عادة إلى تلقي وقائع ما تحدث في منطقتها عبر الوكالات وكأنها مادة مصنّعة من جديد، وتقع أسيرة في استراتيجات تصنع خارج حدود بلاده.
وفي المؤتمرات التي نظمتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة لأقسام الإعلام في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، نشرت فيها تقارير عن عدم التوازن في تدفق الأخبار وقدمت النتائج التي تؤكد أن تدفق الأنباء كان أحادي الاتجاه. كما أن الموضوع الرئيسي للتقارير يوضّح أن تدفق المعلومات بشكل كبير يسري من الغرب إلى الشرق.
فالإعلام الغربي ينتج محتوى الأخبار في حين يستهلك الإعلام الشرقي هذا المحتوى، واستلهاما من أحد رواد علوم الاتصالات مارشال ماكلوهان، فهناك تجربة واحدة فقط في عالم العولمة وهي تجربة الغرب (عبر وسائل الإعلام العالمية).
وإلى جانب ذلك، هناك بعض استثناءات في قاعدة تدفق الأخبار من الغرب إلى الشرق في الآونة الأخيرة، ولاشك أن وكالة الأناضول هي واحدة من هذه الاستثناءات القليلة، التي حققت قفزة بالتوازي مع صعود نهضة تركيا.
وكالة الأناضول على عتبة جديدة في المنافسة مع الوكالات العالمية
تعمل وكالة الأناضول على رسم خارطة طريق لإنتاج مادة خبرية تشد القراء في الداخل، وفي الخارج، وتتخذ خطوات متسارعة لسد الفجوة مع المنافسين العالميين. ومن الممكن بالفعل القول بأن العلامات الإيجابية بدأت بالفعل في الظهور في هذا الإطار.
لقد تمكنت وكالة الأناضول من كسر هيمنة جميع وكالات الأنباء العالمية، التي تعطي أخبارها من بعد واحد، إلى حد كبير، وذلك عبر تنفيذها مهمات شاقة في نقل وقائع مكافحة تركيا لتنظيمات "بي كا كا" و"ب ي د" و"داعش" الإرهابية وإطلاقها عمليتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون" لهذا الغرض، علاوة عن نقل الوكالة لأحداث مجازر إسرائيل في فلسطين.
ولرؤية هذا الفارق يكفي أن مشاهدة الصور التي تنقلها وكالة "أ ف ب" عن عملية "غصن الزيتون" ومقارنتها مع الأناضول. كما أن الأناضول تؤدي دورًا رائدًا في نقل المجازر التي يرتكبها النظام السوري عبر الأسلحة الكيميائية إلى الرأي العام العالمي، وتؤدي دورًا ناجحًا كذلك في الكشف عن الأنشطة الإمبريالية الساعية لتطويق تركيا من الشمال السوري عبر تشكيل حزام إرهابي على الحدود الجنوبية لتركيا.
فنقل الأناضول مشاهد لقواعد سرية للولايات المتحدة في سوريا ومشاركة هذه المشاهد مع الرأي العام العالمي، ونشر الوكالة للمرة الأولى خبر إرسال فرنسا جنودًا إلى مدينة منبج (السورية) لاقى أصداء واسعة.
وإن اتخاذ الخطوات الجديدة جنباً إلى جنب مع توطيد الوضع الحالي في الفترة القادمة سيؤدي إلى تعزيز موقع الأناضول ونقلها إلى مرحلة حاسمة في التنافس العالمي في مجال الصحافة.
*** الدكتور يوسف أوزقر هو عضو الهيئة التدريسية في جامعة مديبول بمدينة إسطنبول، ويعمل منسقًا للنشر في مجلة كريتر.
news_share_descriptionsubscription_contact
