كوثر الخولي
القاهرة - الأناضول
بالأمس، كانت الأضواء المصرية تشع في دور العرض السينمائية في إسطنبول وأنقرة.. واليوم باتت تركيا تضىء جوانب دور العرض في القاهرة والإسكندرية، هكذا يرصد نقاد تبدل المشهد من مكان لمكان.
ومن أفلام "مغامرات في إسطنبول"، و"عثمان الجبار"، و"شيطان البوسفور" المصرية التي شهدت شعبية كبيرة بين الجمهور التركي في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ينتقل المشهد إلي فيلم "السلطان الفاتح" الذي شهدت القاهرة الاحتفال بالعرض الخاص له الأسبوع الماضي وسط حضور إعلامي وفني متميز.
وفي ظل تلك الثنائية، تشهد سوق السينما المصرية-التركية تبادلاً في الأدوار يصفه محللون بـ"الصحي"، وهي مفارقة يرصدها الناقد السينمائي "إيهاب التركي" بقوله: "في فترتي الخمسينيات والستينيات، كان الجمهور التركي عاشقاً ومتابعاً للسينما المصرية، الأهم والأشهر في الشرق الأوسط وقتها، ولم يكن المشاهد المصري في حالة انبهار بنجوم الدراما التركية ومسلسلاتها مثلما هو الحال هذه الأيام".
ويصف "التركي" ذلك بقوله لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء: "كان المشاهد التركي في ذلك الوقت معجبًا بـ "وحش الشاشة" - كما كان يلقب إعلامياً الفنان الراحل فريد شوقي – لأدواره التي اشتهر فيها بالشجاعة والقوة، أما الآن فنجد المشاهد المصري مغرماً بوسامة ورومانسية مهند التركي".
ويلفت إلى أن السينما التركية لم تكن تستطيع المنافسة خارج حدود تركيا رغم أنها كانت متطورة تقنياً وأغلب أفلامها بالألوان الطبيعية، في الوقت الذى ظلت فيه السينما المصرية حتى بداية سبعينيات القرن الماضي يغلب على أفلامها التصوير بالأبيض والأسود.
ويفسّر الناقد والمؤرخ السينمائي "محمود قاسم" لمراسلة الأناضول التغير في المشهد السينمائي بين مصر وتركيا بقوله: "إن جودة الأعمال الفنية وارتباطها باهتمامات وذوق المشاهد من المؤكد لها عامل كبير في الإقبال الجماهيري عليه، وهو ما اتسمت به السينما التركية مؤخراً، وخاصة بعد أن مهدت لها الدراما التركية الطريق، فمن المتوقع أن يقبل الجمهور المصري على الأفلام والسينما التركية".
وينفي بشدة أن يكون الأمر له علاقة بالسياسة وتطوراتها.
تفسير آخر يعرضه المؤلف وكاتب السيناريو مصطفى محرم لمراسلة الأناضول: "السينما التركية حاليا متقدمة جدا وراقية وفيها أفلام عظيمة تحصل علي جوائز دولية ورغم أن السينما المصرية أقدم من التركية فإن مصر فيها ركود سينمائي ومن الطبيعي في ظل هذا الركود أن تأتي إلينا سينما الجيران لتقدم روائعها وهو مفيد علي مستويين أولهما ألا يقتصر العرض في الشاشات المصرية علي الأفلام الأمريكية، وثانيهما أن يستفيد المصريون من هذه السينما في لحظة عظيمة تتجلي فيها إبداعات صناعها".
في المقابل، ينتقد محرم الأفلام المصرية التركية التي أنتجت في فترة الستينيات التي حدث خلالها نوع من الغزو من قبل السينما المصرية للجمهور التركي لكنها أفرزت أفلامًا أقرب إلي ضعف المستوي والتفاهة وتشبه في مجملها تلك التي أنتجت عقب هزيمة 1967 في سوريا ولبنان.
على جانب آخر، يرى محمود قاسم أن فيلم "السلطان الفاتح" قد ينال قبولاً جماهيريًا كبيرًا، لأنه "يتناول قصة بطل إسلامي استطاع أن يفتح القسطنطينية لنشر الإسلام، وهو ما يجد هوى في نفس المواطن العربي الذي يحتاج إلى نصر يشعره بالفخر، في ظل سلسلة من الإساءات المتعددة التي يواجهها بصفته عربياً أو مسلماً".
ويضيف أن تاريخ العلاقة بين السينما المصرية والتركية ممتد منذ العام 1927 من القرن الماضي، حيث كانت هناك تجربة للإنتاج السينمائي المشترك، ولكن لم يكتب لها النجاح، بعد ذلك توالت التجارب.
ويفصل قائلا: "قدم في الماضي عدد من نجوم السينما المصريين أعمالا للسينما التركية ومنهم إيهاب نافع، وفريد شوقي، وحسن يوسف، وسعاد حسني وأيضا يوسف وهبي الذي قدم فيلمًا باسم "زوجة من إسطنبول"، كما شارك كتاب سيناريو مثل عبد الحى أديب، ومخرجون مصريون مثل نيازي مصطفى في صنع أفلام تركية، وشارك نجوم مصريون وعرب بالتمثيل بالسينما التركية سواء كضيوف شرف أو كأبطال.
ويلفت قاسم إلى أن تجربة فريد شوقي في تركيا تبقى الأهم والأكبر في تاريخ العلاقة بين السينما المصرية والتركية، حيث قام أحد المنتجين الأتراك بتقديم عرض في تركيا، وبالتحديد في مدينة إسطنبول، وكان شوقي وقتها في أوج شهرته داخل مصر وفى الوطن العربي، فاشترط أن يكون مخرج أفلامه في تركيا مصريًّا وكذلك كاتب السيناريو والماكيير أيضا، وحدث هذا بالفعل في أغلب أفلامه.
وقام شوقي بالفعل بتمثيل عدد من الأفلام من أشهرها؛ "عثمان الجبار" الذى يجسد نوعية أفلام المغامرات والأكشن التي اشتهر بها هناك، وجسّد في الفيلم شخصية رجل العصابات الأعرج عثمان الذى يهابه الجميع ويخشون قوته رغم إصابته في إحدى ساقيه، ومن أفلامه الأخرى "بعت حياتي" أمام الممثلة التركية كاميليا وفيه قام بدور مدير بنك ناجح شديد الانضباط ورب عائلة مخلص يتعرض لخدعة من إحدى الحسناوات وصديقها بغرض سرقة أموال من البنك.
واستطرد قاسم: من أعماله الشهيرة أيضا فيلم "مغامرات في إسطنبول" أمام الممثلة التركية فريدة وإخراج التركي سانر، وتم تصوير الفيلم بين القاهرة وإسطنبول، ويحكى عن فريد الضابط الذى يذهب إلى تركيا مخفيا هويته الحقيقية لحل لغز جريمة قتل.
وتتوالى أفلام فريد التي لم تخرج عن أجواء الأكشن والمغامرات، ومنها "شيطان البوسفور" و"حسن الأناضول" و"الحسناء والوحش" و"رجل لا يعرف الخوف".
ويرى قاسم في مقابلة مع مراسلة "الأناضول" أن من أهم الملامح التي تجدها تجمع بين السينما في مصر وتركيا هي تشابه الموضوعات والاهتمامات وهناك كثير من موضوعات الأفلام المصرية التي تجدها مقتبسة من الأفلام التركية مثل فيلم النجم المصري عادل إمام "الجحيم" الذي أنتج عام 1980، فهناك "توأمة" جمعت السينما في البلدين، نظراً للطبيعة المشتركة بين للشعبين التي تميل إلى أفلام الحركة.
ويشير إلى أن هناك أيضا فيلم "هروب مومياء" وهو إنتاج مصري تركى عام 2002، وضم ممثلين من البلدين، وحاول هذا الفيلم تطوير علاقة السينما المصرية-التركية بعد أكثر من ثلاثين عاما من تجارب فريد شوقي وإيهاب نافع وآخرين من الممثلين العرب، إلا أن التجربة لم تحقق نجاحا كبيرا سواء فنيا أو تجاريا.