اسطنبول/الأناضول
نواصل اليوم النظر إلى كامل الصورة لنفهم مانعيشه، اليوم.
لقد أخذت بريطانيا، بصفتها المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، رسم صورة بالمسطرة، كانت هذه صورة التعاسة، التي تشمل الحروب المتواصلة، والإرهاب، والألم في الشرق الأوسط. إنها صورة خريطة دموية، على الجسد الممزق للدولة العثمانية، حيث باتت الأراضي التي سادتها روح الوحدة، والطمأنينة على مدى قرون، تتجزأ، وكان اللحم ينفصل عن العظم.
على أي أساس قسموا هذه الأراضي؟ لقد تم ذلك بالمسطرة، وقسمت الشعوب التي ربطها العثمانيون ببعضها البعض بشكل وثيق، عبر رابط الأمة: الخلافة. لقد زرعت أول بذرة للحروب كافة، والفوضى، والإرهاب الذي نشهده اليوم، في ذلك الوقت.
حينما يأتي أناس، من عالم آخر ويحاولون الرسم، في جغرافيا لا يعرفونها، ينجم عن ذلك لوحة فاشلة كهذه.
عند النظر إلى كامل الصورة، نرى هناك 3 أهداف هامة لبريطانيا كانت قبل قرن:
- إزالة مفاهيم: الأمة، والخلافة، والعثمانية، بحيث لا تعود للحياة مجددا في هذه الأراضي، وجرى فصل مكة والمدنية، عن الدولة العثمانية، خصيصا، لهذا السببب. الأمر الذي كان يعني شعور المستعمر بالراحة في مستعمرات مثل الهند وماليزيا، والحيلولة دون وحدة العالم الإسلامي بصورة مطلقة.
2- أن تكون مناطق النفط، وخطوط التجارة والمياه، التي تشكل أهم قوة للقرن المقبل (وفق نظرتهم آنذاك)، بيد عشائر مرتبطة ببريطانيا، وعدم ترك هذه المناطق للعثمانيين، على الإطلاق. لذلك جرى فصل مناطق كانت أملاكا خاصة باسم السلطان عبدالحميد الثاني، على غرار الموصل وكركوك، عن الدولة العثمانية.
3- لقد جرى إدراج كافة التعديلات اللازمة على الصورة، لتأسيس دولة اسرائيل التي ستفتعل أكبر الحروب المستبقلية في الشرق الأوسط، وستزرع الظلم والألم في المنطقة، ولهذا تم تشكيل دولة مصطنعة مثل الأردن، والإتيان بأشخاص سيكونون حلفاء لإسرائيل، إلى مناصب قيادية، بشكل دائم.
إن حدود الشرق الأوسط، ومناطق البترول، رسمت لمنع أي دولة أو عشيرة من أن تكون قوية بمفردها، إذ استغلت بريطانيا نفط المنطقة، ومواردها البشرية، وثرواتها، لإدامة الحروب، وموت ملايين البشر.
لقد شهدت الدول كافة التي رسمت بريطانيا حدودها بالمسطرة، تقريبا، انقلابات عسكرية، وحروبا أهلية، فيما جرى دعم الإرهاب سرا، بهدف الحاق الضرر بدولة العشيرة المجاورة، وتغيرت الحدود مجددا، وكان الذين يُقتلون هم مسلمون دائما.
علينا الاعتراف، بأن بريطانيا، نجحت في أمرين: إلغاء الخلافة التي كانت تجمع العالم الإسلامي، ولو رمزيا، وتم ذلك بيد الأتراك، فضلا عن إزالة وعي الأمة، الذي يمثل أكبر مصدر خوف لبريطانيا.
لقد تم تصوير الدولة العثمانية في كتب التاريخ المحتلة، وكأنها وحش مستعمر، وجرى تحويل الشعوب التي كانت شقيقة قبل 100 عام، إلى أعداء.
ومع اقتراب اندلاع الحرب العالمية الثانية، أوعزت بريطانيا للديكاتوريين المناسبين لها، للقيام بانقلابات في العصر الذي كانت فيها الديكتاتوريات رائجة، وصدام، والقذافي، ومبارك، والأسد، الذين تحولو لبلاء في هذا العالم، لاحقا، هم نتاج هذه السياسة.
وفي نهاية المطاف، دخل العالم في حرب كبيرة أخرى مجددا، وبرزت الولايات المتحدة على الساحة العالمية، عقب هذه الحرب، وعملت على إجراء تعديلات على الصورة المرسومة بالمسطرة، لكن بمدفع الدبابة، وتواصلت الآلام، والفوضى، والإرهاب، والحروب في هذه المنطقة.