اسطنبول- الأناضول- سكينة الصادقي
السؤال الذي يتبادر هنا ما إذا كان رمضان في اسطنبول كباقي الدول، أصبح شهرا للاستهلاك بامتياز أم أن الأمر مختلف في مدينة تعلو فيها المآذن . وكان لنا وقفة مع الإعلام و مدى مسايرته لرغبات المشاهدين و نوعية البرامج. أسئلتنا هذه كانت مدار جولة قمنا بها في المدينة. ولإستطلاع المشهد الرمضاني قديما وحديثا والأجواء الرمضانية في اسطنبول حاورنا مجموعة من المواطنين الأتراك.
الروحانيات تتقدم
يخبرنا "دورسون كباكتيبي" عن اهتمامه بالموقع الإلكتروني الذي يشرف عليه و باعتباره صحفيا يحرص في هذا الشهر على بث كل ما له علاقة برمضان و ذلك لإحاطة القراء علما بمستجدات و طقوس شهر الصيام.
و يفسر "إكرام أرسلان" كاتب شاب علاقة عدم اشتغال المعدة بارتفاع درجة الإيمان بقوله أنه عندما تستريح المعدة يترك المجال لبقية أعضاء الجسم لكي تستريح، و بالتالي تشتغل بالروحانيات أكثر من الماديات و هذا التأثير الذي اعتبره "أرسلان" إيجابيا ينتقل صداه من الشخصية الفردية إلى الشخصية الجماعية أي من الفرد إلى الأسرة فالمجتمع بأكمله، و شبه "أرسلان " عملية التأثير هذه بعملية إسقاط حصى في الماء حيث يتأثر المركز فيِؤثر على باقي الجوانب.
و عن تغير أوقات و أماكن الأكل أشارت "نور طوقبنار" طالبة ثانوي و التي اعتبرت رمضان مهرجانا للمسلمين بأنها و أسرتها يقضون معظم أوقات الإفطار خارج البيت إما في دعوات عائلية أو في جمعيات مدنية تنظم فعاليات خاصة بهذا الشهر.
و تقارن "نور" التي أمضت رمضان الماضي بالعربية السعودية بين هذا الشهر في المملكة السعودية و نظيره بتركيا حيث أكدت أن هناك فرقا شاسعا، و عن جانب من جوانب الإختلاف قالت : في تركيا آلاف من الناس لا يصومون و يجدون حريتهم، و المحلات و المقاهي مفتوحة و هذا لا نجده في السعودية حيث تغلق كل المحلات و تضيف أنه حتى إن لم يصم البعض فأنهم يحترمون مشاعر الصائمين، و هذا غير موجود في تركيا على حد تعبيرها.
و لكن هل يعد رمضان في اسطنبول شهر استهلاك كباقي الدول؟ على هذا الصعيد صادفت الأناضول صنفين من الأجوبة؛ الأولى أكد أنه في رمضان تظهر العادات الإستهلاكية عند المواطنين بشكل كبير.
ويوجد من الناس من يرى أنه شهر تخمة، بل إن بعض الأثرياء يحجزون في فنادق خمسة نجوم طيلة الأيام الرمضانية حتى يتسنى لهم قضاءه تحت المكيفات الهوائية و وفق أرقى و أفضل الشروط، و هذا في نظر البعض شيء مؤسف .
وفي هذا الإطار دأبت وزارة الشؤون الإسلامية على تنظيم محافل و خطب تعظ من خلالها الناس مبينة أن رمضان ليس شهر تسلية و استهلاك.
في المقابل يرى البعض أن مسألة الاستهلاك مسألة بديهية في شهر يكثر فيه تبادل الزيارات و هذه الأخيرة تستلزم إكراما للضيوف و الإكرام بدوره يستلزم استهلاكا أكثر، وأضاف أن رمضان شهر الصدقات بامتياز حيث أن التعاون و التضامن يطرح نفسه بقوة و بالتالي تزداد المصاريف.
الاعلام تغير
و عن الإعلام ونوعية البرامج التلفزيونية في رمضان اتفق الكل على و جهة نظر واحدة مفادها أن هناك تغييرا إيجابيا مقارنة بالعشرية الماضية حيث أشار "أكرم التن تبه" رئيس تحرير مجلة مورال في الماضي كنا نشاهد ربط و سائل الإعلام رمضان ببرامج الطبخ و الفكاهة وبرامج لتمضية الوقت، أما الآن فإن هناك تغييرا شاملا حتى بالنسبة للقنوات الغير الملتزمة فهي تجد نفسها مجبرة على مسايرة ذوق 99 بالمئة من المسلمين الأتراك و قال أنه حتى بالنسبة لغير الصائمين فإنهم يعيشون أجواء رمضان و بالتالي تحاول القنوات المحافظة على نسبة المشاهدين ببثها برامج ثقافية، فكرية و دينية. و أضاف أنه حتى الجرائد انتقلت من كتابة النكت على صفحاتها إلا تقديم مقالات، فتاوى، و أسئلة دينية.
أما "نور طوقبنار" فتقول : اخترت مقاطعة التلفاز و لا أفتحه إلا ناذرا عندما أريد الإستماع للقرآن الكريم أو في أوقات الوعظ و الإرشاد.
و في مقارنة بين رمضان الحالي و سابقا يقول "أحمد آي" : الفرق هو البراءة فرمضان لا يتغير ولكن نحن من نتغير.
ويضيف: أصبحت لدينا أشغال كثيرة تمنعنا من التلذذ برمضان و العيش في أجوائه الربانية فنحن مشغولون عنه بأشياء دنيوية.
ويواصل حديثه قائلا: رمضان عروس الشهور و لن تقبل عروس تقاسمها فرحتها، و منه فإننا من أصبحنا فلان الماضي و فلان الحاضر، و في الحقيقة إنسان اليوم مقارنة بإنسان الأمس ينقصه قليل من البراءة و العصمة.
ويشير أرسلان في الماضي كان الإهتمام لا يتجاوز الحي في حين الآن أصبح حسا مشتركا و أصبح عالميا، ثم إن الشكل التضامني انتقل من الطريقة الحميمية بين الأقارب و الجيران ليتخذ طابعا مؤسساتيا، فعلى سبيل المثال عوض أن يتصدق الرجل منا مباشرة أصبح يتصدق عن طريق المؤسسات التي تعنى بهذه الشؤون.