عاصرت 3 حروب.. مدرسة "بي أوغلو" بإسطنبول تواصل التعليم منذ 1849 (تقرير)
Gökçe Karaköse, Hamdi Dindirek, Hişam Sabanlıoğlu
04 أكتوبر 2026•تحديث: 04 أكتوبر 2026
photo: Bünyamin Çelik / AA
İSTANBUL
إسطنبول/ حمدي دنديرك، كوكجه قره كوسه/ الأناضول
- تأسست عام 1849 وأغلقتها الحروب ثلاث مرات قبل أن تستأنف التعليم في كل مرة
- مبناها الحالي شُيد عام 1901 وتحولت من مدرسة لبنات أفراد البعثة البريطانية إلى مؤسسة تعليمية عريقة
- مديرة المدرسة كولاي حاجي صالي أوغلو: الحفاظ على المبنى التاريخي ونقل قيمه إلى الأجيال الجديدة أولوية بالنسبة لنا
على مدى 177 عاما، واصلت مدرسة "الأناضول بي أوغلو" في مدينة إسطنبول التركية مسيرتها التعليمية، رغم أن الحروب أجبرتها على إغلاق أبوابها ثلاث مرات، قبل أن تعود في كل مرة إلى استقبال طلابها ومواصلة التعليم.
وفي قلب منطقة بيرا التاريخية، في حي بي أوغلو، لا يزال مبنى المدرسة المشيد عام 1901 شاهدا على رحلة بدأت عام 1849 لتعليم بنات أفراد البعثة البريطانية في إسطنبول، قبل أن تتوسع لاحقا لتستقبل طالبات من رعايا الدولة العثمانية، وتصبح جزءا من الحياة التعليمية في بي أوغلو.
وعلى مر تاريخها، تجاوزت هذه المؤسسة التعليمية فترات الانقطاع التي فرضتها الحروب، وواصلت نشاطها عبر تحولات سياسية وتعليمية متعاقبة وصولا إلى يومنا هذا.
** الإنشاء والإغلاق الأول
تعود جذور المدرسة إلى مبادرة ليدي ريدكليف، زوجة فيسكونت ستراتفورد دي ريدكليف، الذي شغل منصب سفير بريطانيا لدى إسطنبول بين عامي 1842 و1858.
وفي عام 1849، قادت ليدي ريدكليف جهود تأسيس مدرسة باسم "المدرسة الثانوية للبنات"، بهدف توفير التعليم الثانوي لبنات أفراد البعثة البريطانية في إسطنبول.
لكن مسيرة المدرسة لم تستمر طويلا، إذ أدى اندلاع حرب القرم عام 1853 إلى تعليق الدراسة فيها، بعد سنوات قليلة من تأسيسها.
وظلت المدرسة مغلقة نحو 6 سنوات، قبل أن تعود إلى استقبال طالباتها بعد انتهاء الحرب وتراجع تداعياتها.
وفي تلك المرحلة، تشكلت لجنة من موظفي البعثة البريطانية في إسطنبول للإشراف على إدارة المدرسة، التي استأنفت نشاطها التعليمي خلال السنوات اللاحقة.
** إغلاق للمرة الثانية
لم يدم الاستقرار طويلا، إذ أدت الحرب الروسية العثمانية بين عامي 1877 و1878 إلى إغلاق المدرسة للمرة الثانية.
وفي عام 1881، أعيد افتتاحها، لتبدأ مرحلة جديدة حملت معها تحولا مهما في تاريخها.
فبعد أن اقتصرت المدرسة في بدايتها على تعليم بنات أفراد البعثة البريطانية، بدأت عقب إعادة افتتاحها قبول طالبات من بنات رعايا الدولة العثمانية المقيمين في بي أوغلو.
ومع اتساع قاعدة الطالبات، أصبحت المدرسة تدريجيا جزءا من المشهد التعليمي في المنطقة.
** مبنى جديد وإغلاق ثالث
ومع مرور السنوات، لم يعد المبنى القديم قادرا على تلبية احتياجات الطالبات، ما دفع إدارة المدرسة إلى التحرك لإنشاء مقر جديد.
وأطلقت الإدارة حملة لجمع التمويل، حصلت خلالها على أموال من أولياء أمور ميسورين مقابل أسهم، ما وفر الموارد اللازمة لإنشاء المبنى الجديد.
وبهذه الموارد، شيد عام 1901 المبنى الذي لا تزال المدرسة تستخدمه حتى اليوم، ويعد من النماذج النادرة للعمارة في منطقة بيرا.
وواصلت المدرسة نشاطها في مبناها الجديد، لكن الحرب عادت لتقطع مسيرتها في مطلع القرن العشرين.
فمع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، توقفت الدراسة وأغلقت المدرسة أبوابها للمرة الثالثة منذ تأسيسها.
وظلت مغلقة نحو 6 سنوات، قبل أن تستأنف عملها عام 1920 وتواصل مسيرتها التعليمية.
صورة : Bünyamin Çelik/AA
** تغير المناهج
ومع قيام الجمهورية التركية وتغير نظام التعليم في البلاد، أعيد تنظيم المناهج الدراسية في المدرسة بما يتوافق مع النظام الجديد.
وكانت المؤسسة تعرف باسم "الثانوية الإنجليزية"، قبل أن تؤمم في 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979، وتحمل اسم "المدرسة الإعدادية الإنجليزية للبنات".
وفي عام 1980، ومع افتتاح المرحلة الثانوية، حملت المدرسة اسم "مدرسة الأناضول بي أوغلو".
وظلت مخصصة لتعليم الطالبات منذ تأسيسها حتى العام الدراسي 2002-2003، قبل أن تنتقل اعتبارا من ذلك العام إلى نظام التعليم المختلط.
ومنذ العام الدراسي 2016-2017، بدأت المدرسة العودة تدريجيا إلى نظام قبول الطالبات فقط.
صورة : Bünyamin Çelik/AA
وفي العام الدراسي 2018-2019، افتُتح فيها الصف التحضيري للغة الإنجليزية، لتصبح مؤسسة تعليمية تطبق برنامجا خاصا ومشروعا تعليميا، وتقدم سنة تحضيرية إلى جانب أربع سنوات من التعليم الثانوي.
كما بدأ تطبيق برنامج المستوى المتقدم فيها اعتبارا من العام الدراسي 2021-2022.
وهكذا تواصل مدرسة الأناضول بي أوغلو، التي بدأت رحلتها عام 1849، أداء دورها التعليمي داخل مبناها التاريخي الذي يعود إلى عام 1901.
** تاريخ وقيم
وقالت مديرة مدرسة الأناضول بي أوغلو، كولاي حاجي صالي أوغلو، لمراسل الأناضول، إن المدرسة تولي أهمية كبيرة للحفاظ على مبناها التاريخي، إلى جانب نقل القيم التي تراكمت فيها عبر تاريخها إلى الطلاب.
وأضافت: "إن تأثير المكان والحفاظ عليه أمر في غاية الأهمية. وإلى جانب المكان نفسه، فإن نقل القيم التي عاشت وترسخت هنا، وترسيخ الوعي لدى الطلاب بالمكان الذي ينتمون إليه، وتربيتهم على الثقة بالنفس، كلها أمور بالغة الأهمية".
وأوضحت حاجي صالي أوغلو أنها أمضت 33 عاما في مهنة التعليم، وأنها عُينت في مدرسة بي أوغلو عام 2019، مشيرة إلى أنها تأثرت هي أيضا بتاريخ المدرسة.
وقالت إنها باشرت، منذ توليها مهامها، العمل على حماية المدرسة التاريخية والحفاظ عليها.
وأكدت أن إدارة المدرسة تسعى إلى صون القيم التي حملتها المؤسسة عبر تاريخها ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
وختمت حاجي صالي أوغلو حديثها بالقول: "نهدف هنا إلى تربية شباب يبحثون عن المعرفة، ويحولون المعرفة إلى وعي، ويطرحون الأسئلة، ويكونون نافعين لمحيطهم وبلدهم".