Hussien Elkabany
26 مايو 2026•تحديث: 26 مايو 2026
القاهرة/ حسين القباني/ الأناضول
في أحد حقول محافظة الفيوم وسط مصر، وعلى مرمى البصر، يظهر عامل في الثلاثين من عمره يحمل حزمًا من القمح الذهبي على ظهره، يمشي سريعًا نحو سحابة من الغبار المتصاعد.
يسارع الخطى نحو الغبار دون أن يكترث، ففرحة الحصاد التي تظهر على وجهه ووجوه من حوله تلمع، مثل حزم القمح التي تتحرك بين أيديهم.
ذلك المشهد الذي تابعته الأناضول عن كثب، جزء من رحلة حصاد مثيرة سنويا تعرفها مصر في هذا التوقيت مع جني محصول القمح الاستراتيجي بالبلاد، المعروفة أعواده بلونها الذهبي.
** رحلة ممتعة للحصاد
من داخل الحقل الذي تجاوره محاصيل وأشجار تسر الناظرين، يواصل ذلك العامل وآخرون، بحماس، نقل ما جمعته ماكينة الحصاد الآلي التي لاحقت السنابل على مساحة شائعة وجمعت أعوادها في حزم، إلى مكان ذلك الغبار المتصاعد من ماكينة أخرى بالحقل تقوم بمهمة تعرف باسم "الدرْس".
في تلك المرحلة تستقبل الماكينة حزم "الذهب الأصفر" من يد العامل، وتقوم وسط ضجيج يألفه المتواجدون، بفصل حبات القمح عن الأعواد، فتخرج الأخيرة من مخرج استعدادا لأن تطحن وتستخدم لاحقا طعاما للحيوانات، بينما تجرى الحبات من مخرج آخر كأنها شلالات تتدفق إلى الأرض.
وكلما تواصلت تلك الشلالات بخيرها الذهبي، تتلألأ عيون أصحاب الحقول فرحا في انتظار جني أرباح تعب أشهر بدأ منذ زراعة محصول القمح الذي يبدأ عادة منتصف نوفمبر/ تشرين ثان من كل عام، وحتى الحصاد منتصف أبريل/نيسان وحتى منتصف يونيو/ حزيران سنويا.
في ذلك الحقل الذي تداعبه أشعة الشمس بلطف، تتسابق الأعين في معاينة حبات القمح التي تتراقص كلما خرجت من ماكينة الدرس مع الغبار، وارتمت في محطة فاصلة من الحصاد، إذ تروى قصة أخرى، مع جمعها في أجولة كبيرة استعدادا لتوريدها للصوامع.
المشهد الذي تابعه فريق الأناضول يستمر حتى قبيل وداع الشمس مع اقتراب حلول المساء، وكلما ازدادت أجولة القمح، تتلألأ فرحة المزارعين المنتظرين للأرباح.
المزارع الذي جاوز الأربعين من عمره، محمد درويش، يتحدث كأنه يودع تعب أشهر من الزراعة، ويترقب محصوله، قائلا: "بدأنا زراعة القمح من منتصف نوفمبر وراعينا الأرض بما يلزم، والحمد لله أحسن محصول هذا العام".
وأشار درويش إلى المجهود الكبير الذي يبذل في الحصاد، قائلا: "فدان (4 آلاف متر مربع) القمح يأخذ وقتا يتجاوز 3 ساعات ونصف من الدرس بالماكينة بمساعدة 15 عاملا".
وأردف قائلا: "ووصل إنتاج الفدان من القمح هذا العام إلى 20 أردبا (الأردب يساوي 150 كلجم)، الحمد لله".
وأشار إلى أنه بعد حصاد القمح ودرسه يتم نقله عبر السيارات للشون (ساحات واسعة) والصوامع للتوريد.
وفي اليوم التالي، تابعت الأناضول تدفق السيارات المحملة بالقمح، في إحدى الصوامع، تدخل كل واحدة منها عبر ممر طويل، ويبدأ العمال بفتح الأجولة التي تنهمر منها حبات القمح في مرحلة أخيرة قبل تخزينها.
ومنتصف أبريل/ نيسان كشف المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري، عن تجهيز أكثر من 400 نقطة استلام متنوعة، تشمل صوامع وشونًا (ساحات واسعة) حديثة ومراكز تجميع في مختلف محافظات مصر (27 محافظة).
وأوضح أن موسم توريد القمح لعام 2026 يبدأ اعتبارًا من 15 أبريل/نيسان، وتم تخصيص نحو 1.32 مليار دولار لسداد مستحقات القمح للمزارعين خلال 2026/2027، حيث يبلغ سعر أردب القمح المحلي نحو 48 دولارا.
وموسم التوريد يقصد به بيع المزارعين محصول القمح أو جزء منه للحكومة التي تقوم بتخزينه في صوامع كبرى مهيأة لحفظ القمح لفترة قد تتجاوز العام.
** موسم "غير مسبوق"
من جانبه، قال نقيب الفلاحيين، حسين أبو صدام، إن "موسم حصاد القمح لهذا العام يعد من أفضل المواسم الزراعية للمحصول على الإطلاق".
وأوضح أن "المساحة المزروعة بلغت هذا العام نحو 3 ملايين و700 ألف فدان (بزيادة تُقدر بحوالي 600 ألف فدان مقارنة بالعام الماضي)، بإنتاجية إجمالية متوقعة تتجاوز 11 مليون طن".
وأشار إلى أنه "جرى توريد قرابة 4 ملايين طن من القمح للحكومة حتى الآن، وسط توقعات بأن يصل حجم التوريد إلى 5 ملايين طن بنهاية الموسم (بزيادة 25 بالمئة عن الموسم السابق الذي بلغ 4 ملايين طن)".
وسجلت إنتاجية الفدان الواحد، بحسب نقيب الفلاحين، معدلات ممتازة راوحت بين 18 إلى 24 إردباً على مستوى البلاد.
وأكد أن "الظروف المناخية الملائمة، وجودة التقاوي، بالإضافة إلى سعر التوريد المجزي الذي حددته الحكومة، كانت كلها عوامل مرضية للغاية للمزارعين ساهمت في نجاح هذا الموسم الاستثنائي".
وشدد نقيب الفلاحين على أن القمح يمثل الركيزة الأولى للأمن الغذائي المصري لارتباطه الوثيق برغيف الخبز اليومي للمواطنين.
وأشار في هذا الصدد إلى أن مصر التي تصنف كأحد أكبر مستوردي القمح عالميا بحجم استيراد يبلغ نحو 10 ملايين طن، ستتمكن بفضل محصول هذا العام من تغطية أكثر من 55 بالمئة من احتياجاتها الإجمالية.
ووفق نقيب الفلاحين، فإن الأمن الغذائي المصري من القمح مؤمن بالكامل حتى نهاية العام الجاري ومطلع الموسم القادم.
وفي 11 مايو/أيار الجاري قال وزير الزراعة علاء فاروق إن بلاده تتعامل مع محصول القمح باعتباره قضية أمن قومي، وتهدف إلى رفع نسبة الاكتفاء الذاتي تدريجيا إلى نحو 70 بالمئة بحلول العام 2030 (صعودا من نسب تدور حول 47 بالمئة).
وتستهلك مصر إحدى أكبر مستوردي القمح في العالم ما يراوح بين 21 و22 مليون طن سنوياً، تنتج منها قرابة 10 ملايين طن، فيما تستورد 10 إلى 11 مليون طن عبر الجهات الحكومية والقطاع الخاص، بحسب تقديرات غير رسمية.
وتتجه مصر مع اضطرابات المنطقة وسلاسل الإمدادات لتعظيم زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وافتتحت مؤخرا جزءا من مشروع زراعي ضخم لتأمين الأمن الغذائي، وسط محادثات بين القاهرة وموسكو لإنشان مخزن عالمي للحبوب في مصر.