رام الله / قيس أبو سمرة / الأناضول-
بعد مضي نحو 10 سنوات على مؤتمرها السابع، تستعد حركة "فتح" بزعامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لعقد النسخة الثامنة من المؤتمر في مدينة رام الله وسط الضفة الغربية الخميس.
وشهد المؤتمر السابق انتخاب عباس رئيسا للحركة بالتزكية، فيما يأتي انعقاد المؤتمر الثامن في لحظات معقّدة تتقاطع فيها تداعيات الحرب على قطاع غزة والإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، مع تحولات إقليمية ودولية تضغط على مجمل المشهد الفلسطيني.
ويُنظر إلى المؤتمر بوصفه محطة تنظيمية مفصلية للحركة التي تقود السلطة الفلسطينية، وسط تساؤلات حول قدرته على إحداث تجديد حقيقي في بنية القيادة أو تقديم رؤية سياسية جديدة تتناسب مع متغيرات المرحلة، لا سيما بعد الحرب على غزة وما خلّفته من تداعيات عميقة.
ويُفترض تقليديًا أن تشكل مؤتمرات الحركة منصة لتقديم رؤية سياسية، إلى جانب انتخاب هيئاتها القيادية، وهو ما يعيد طرح السؤال حول ما إذا كان المؤتمر الثامن سيحافظ على هذا الدور أو يكتفي بإعادة ترتيب البنية التنظيمية.
ويأتي انعقاد المؤتمر في ظل تداعيات حرب إبادة إسرائيلية على قطاع غزة استمرت عامين منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وأسفرت، وفق معطيات فلسطينية، عن مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني، وإصابة ما يزيد عن 172 ألفا، إضافة إلى دمار واسع طال نحو 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية.
وتقدّر الأمم المتحدة كلفة إعادة إعمار قطاع غزة بنحو 70 مليار دولار، في وقت تُلقي فيه هذه الحرب بظلالها الثقيلة على مجمل النظام السياسي الفلسطيني، بما في ذلك موقع ودور حركة فتح.
وفي الضفة الغربية، يتواصل التصعيد الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب، بالقتل والاعتقال وهدم المنازل والتوسع الاستيطاني، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 1155 فلسطينيا وإصابة نحو 11 ألفا و750، إضافة إلى اعتقال قرابة 22 ألفا، وفق مصادر رسمية.
ويرى رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل بلال الشوبكي أن المؤتمر يأتي في لحظة تتطلب "مراجعات عميقة" داخل الحركة، لكنه يشير إلى غياب مؤشرات واضحة على حدوث تحولات جوهرية.
ويقول الشوبكي في حديث للأناضول: "التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية كبيرة جدًا، وبالتالي حركة وطنية مثل فتح تحتاج إلى تقديم قراءات جديدة تسهم في طرح بدائل ممكنة للشارع الفلسطيني، لكن هذه البدائل تتطلب بالضرورة وجود تداولات داخلية حقيقية".
ويضيف: "إذا كان هناك تساؤل حول قدرة المؤتمر على إحداث دفعة باتجاه هذا التغيير، فهذا ممكن نظريًا، لكن على أرض الواقع لا توجد مؤشرات كافية تدل على وجود مداولات جدية قبل انعقاده يمكن أن تقود إلى تغييرات جوهرية".
ويتابع الشوبكي: "التغيير المطلوب لا يقتصر على البنية التنظيمية داخل الحركة، بل يمتد إلى المسار السياسي الذي يجب أن يتعاطى مع معطيات جديدة، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، وحتى على المستوى الإسرائيلي".
وفي ما يتعلق بانعكاسات المؤتمر على السلطة الفلسطينية، يرى الشوبكي أن "المخرجات قد تأتي لتعزيز المستوى الرسمي القائم، وليس لإحداث تغيير جذري في المسار السياسي".
ويشير إلى أن "إدخال وجوه جديدة أمر وارد، لكن الحديث عن استبدال واسع بقيادات شابة أو إحداث ثورة داخل البنية القيادية يبقى مستبعدًا في هذه المرحلة".
بدوره يقلل أستاذ العلوم السياسية رائد نعيرات من احتمالات "أن يشكل المؤتمر نقطة تحول في البرنامج السياسي للحركة"، معتبرًا أن جدول أعماله لا يتضمن "نقاشًا استراتيجيًا معمقًا".
ويقول نعيرات للأناضول: "لا يمكن الحديث عن تحول حقيقي، لأن البرنامج السياسي أو الرؤية الاستراتيجية ليست مطروحة أصلًا على جدول أعمال المؤتمر، لا من قريب ولا من بعيد".
ويضيف: "المؤتمر يركز أساسًا على مسألة التجديد القيادي، وحتى في هذا الجانب نحن نتحدث عن تغيير محدود، ربما لا يتجاوز إدخال عدد قليل من الأعضاء الجدد".
ويتابع نعيرات: "المعطيات المتوفرة تشير إلى أن نسبة التجديد قد تكون في حدود 40 بالمئة، لكن هذا لا يعني تغييرًا نوعيًا في بنية القيادة أو توجهاتها".
وعن التحديات المحيطة بالمؤتمر، يقول نعيرات: "نحن أمام سياق إقليمي معقد، وحرب مستمرة على قطاع غزة، وهذه عوامل تطرح تساؤلات حول قدرة المؤتمر على تقديم استجابة سياسية حقيقية".
ويشير إلى أن "طبيعة الأسماء المطروحة قد تعكس تركزًا جغرافيًا، وهو ما قد يؤثر على مستوى تمثيل الحركة لمختلف مكوناتها".
من جهته، يقدّم المحلل السياسي جهاد حرب قراءة تميل إلى وجود هامش للتجديد، وإن ظل ضمن حدود الإطار التقليدي لمؤتمرات الحركة.
ويقول حرب في حديثه للأناضول: "مؤتمرات فتح عادة ما تكون مخصصة لإنتاج القيادة، لكن التغيير الواسع داخلها يبقى محدودًا، رغم وجود هامش للحراك في ظل الظروف الحالية".
ويضيف: "بعد الحرب على غزة، والتطورات في الضفة الغربية، أعتقد أن هناك حراكًا أوسع قد يدفع نحو تجديد ملحوظ في عضوية اللجنة المركزية".
ويتابع حرب: "قد نشهد تغييرًا يصل إلى نحو 40 بالمئة من الأعضاء، مع إمكانية صعود قيادات جديدة، وربما تعزيز تمثيل النساء داخل الهيئات القيادية”.
وعلى مستوى البرنامج السياسي يقول حرب: "البرنامج سيبقى قائمًا على خيار حل الدولتين، لكن الأدوات والوسائل قد تتطور، خصوصًا فيما يتعلق بتفعيل المقاومة الشعبية وتنظيمها".
ويضيف: "أما في ما يتعلق بالمصالحة (مع حركة حماس)، فلا توجد مؤشرات حتى الآن تدل على إمكانية تحقيق اختراق حقيقي، لأن العوامل التي تعيقها ما زالت قائمة".
وتعاني الساحة الفلسطينية انقساما سياسيا وجغرافيا منذ عام 2007، حيث تسيطر حماس وحكومة شكلتها على قطاع غزة، في حين تدير الضفة الغربية حكومات تشكلها حركة فتح بزعامة الرئيس محمود عباس.
من جانبه، يقدّم المحلل السياسي سليمان بشارات قراءة نقدية للمؤتمر، معتبرًا أنه "قد لا يخرج عن إطار إعادة إنتاج التوازنات القائمة داخل الحركة".
ويقول بشارات للأناضول: "نحن أمام عملية إعادة إنتاج لذات الفكر في قيادة حركة فتح، لأن مبدأ الإقصاء ما زال حاضرًا، وهناك انتقادات واضحة لطبيعة القوائم المشاركة".
ويضيف: "هذا يعني أن التيارات المسيطرة على القرار داخل الحركة ستبقى هي نفسها، وهو ما قد يحوّل المؤتمر إلى محطة جديدة من الصراع الداخلي".
ويتابع بشارات: "استبعاد شخصيات وتيارات مؤثرة، مقابل إدخال شخصيات تتناغم مع الرؤية القائمة، قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل الحركة".
ويشير إلى أن "هذه الحالة قد تفتح المجال أمام نشوء تحالفات وتيارات جديدة، تنشغل بإعادة توزيع مراكز النفوذ أكثر من انشغالها بالمشروع الوطني".
ويقول بشارات: "المشروع الوطني الفلسطيني يمر بمرحلة ضعف، في ظل تصاعد السياسات الإسرائيلية، ومحاولات إقصاء أي مظلة سياسية فلسطينية".
ويرى أنه "إذا لم يفرز المؤتمر قيادة قادرة على التعامل مع هذه التحديات برؤية مختلفة، فإن الحركة قد تخسر جزءًا من وزنها على مستوى الشارع الفلسطيني".
ويتابع بشارات: "السيناريو الأرجح هو استمرار حالة الضعف التدريجي، ما لم تحدث مفاجأة تعيد للحركة قدرتها على الفعل السياسي".
news_share_descriptionsubscription_contact
