"هذه أرضي".. مغترب فلسطيني عاد ليقاوم التجريف والمستوطنين (تقرير)
** الفلسطيني نضال وليد ربيع في حديث للأناضول:
Qais Omar Darwesh Omar
04 مايو 2026•تحديث: 04 مايو 2026
photo: Hisham K. K. Abu Shaqra / AA
Filistin, Ramallah
رام الله / قيس أبو سمرة / الأناضول
خلال 28 عاما في الخارج كنت أعود ثلاث مرات في السنة ولم أترك الأرض
اعتداءات المستوطنين شملت تجريف نحو 10 دونمات واقتلاع أشجار زيتون
استأجرت أرضا بديلة لمواصلة زراعة البندورة والكوسا والفقوس التي ننتج أطنانًا منها
على كل شخص الزراعة بقدر استطاعته لتحقيق الاكتفاء الذاتي من أرضه فهذه أرضنا
على قمة تلةٍ مطلة على سهول بلدة ترمسعيا بمدينة رام الله وسط الضفة الغربية المحتلة، يقف الفلسطيني نضال وليد ربيع، محدقًا في أرضه التي لم يعد قادرا على الوصول إليها نتيجة قيود واعتداءات مستوطنين إسرائيليين.
ربيع تحدث إلى مراسل الأناضول عن قصته مع أرضه التي تتناقص مساحتها يوما بعد آخر نتيجة التجريف الإسرائيلي، وقال مشيرًا بيده إلى بساتين الزيتون البعيدة: "هذه أرضي، أنظر إليها كل يوم، لكنني لا أستطيع الوصول إليها".
قصة ربيع ليست مجرد حكاية مزارع فقد مصدر رزقه، بل سردية لرحلة ارتباطه بالأرض منذ الطفولة، مرورا بسنوات اغتراب طويلة في الولايات المتحدة انتهت اليوم بواقع قاس بعدما حالت قيود وهجمات المستوطنين الإسرائيليين بينه وبين أرضه.
خلال الأشهر الماضية، تصاعدت اعتداءات المستوطنين في ترمسعيا لتشمل تجريف أراضٍ زراعية واقتلاع أشجار، وتنفيذ هجمات تحت حماية القوات الإسرائيلية، ضد مواطنين فلسطينيين ومنازلهم وممتلكاتهم.
ووفقًا لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان (حكومية)، شهدت مناطق الضفة الغربية المحتلة 1819 اعتداء خلال مارس/ آذار الماضي، منها 1322 اعتداء نفذتها القوات الإسرائيلية و497 اعتداء نفذها مستوطنون.
صورة : Hisham K. K. Abu Shaqra/AA
** رحلة العودة إلى الجذور
قبل نحو 12 عامًا، قرر ربيع العودة إلى الضفة الغربية بعد قضائه قرابة 28 عامًا في الخارج لم ينفصل خلالها عن أرضه.
يقول: "كنت أعود ثلاث مرات في السنة، ولم أترك الأرض".
ويذكر أنه في طفولته كان يرافق والده وجده إلى الحقول ليتعلم منهما الزراعة، ويضيف: "كنا نذهب إلى الحصاد بعد المدرسة".
هذه العلاقة القوية مع الأرض، دفعت ربيع بعد عودته إلى التخصص فيما أسماه "البذور البلدية" التي يجمعها ويحفظها ويعيد زراعتها، محافظًا على أصناف تقليدية من ثمار الكوسا والفقوس (القثاء) والبندورة (الطماطم).
يقول ربيع: "أصبحت مرجعا في المنطقة، ومن يريد البندورة البلدية يأتي إليّ من الشمال والجنوب، هذه البندورة هي التراث الذي تركه لنا الأجداد، وسنستمر في الحفاظ عليه".
ويتابع: "أحتفظ بالبذور، وأقوم بزراعتها في مواسم متتالية، وأبقيها لسنوات، ثم أزرع من نفس البذور البلدية".
** خسائر بالأرقام
المشروع الزراعي الذي بناه ربيع على مدى سنوات، تلقى ضربة قاسية في السنوات الأخيرة، مع تصاعد اعتداءات المستوطنين التي طالت أرضه بشكل مباشر.
يشير إلى أن الاعتداءات شملت تجريف نحو 10 دونمات، واقتلاع أشجار زيتون يزيد عمر بعضها عن 20 عاما، كانت تنتج قرابة 40 تنكة (غالون) زيت، ويردف بأسف: "لكنها اليوم لا تنتج شيئا".
ولم تتوقف الخسارة عند هذا الحد، بل يذكر ربيع أن "30 دونما مزروعة بالزيتون، إضافة إلى نحو 6 دونمات زيتون وعنب، لا يستطيع الوصول إليها".
كما تعرض نحو دونمين من أشجار الزيتون في أرضه للحرق من المستوطنين، بينما لا يستطيع الوصول إلى بقية الأرض.
ويُلخّص ربيع حجم الخسارة قائلًا إن ما فقده أو مُنع من الوصول إليه هو 70 بالمئة من أرضه المقدرة بنحو 60 دونما.
ويبيّن أن ذلك انعكس بشكل مباشر على إنتاجه الزراعي قائلا: "كنت في السابق أنتج نحو 150 تنكة زيت سنويًا، أما العام الماضي فلم أنتج سوى 18 فقط".
كما خسر ربيع أراضي كان يزرعها قمحا وشعيرًا وسمسمًا، موضحا أنه لم يعد يستطيع الوصول إليها "إطلاقا".
صورة : Hisham K. K. Abu Shaqra/AA
** الزراعة رمز للصمود
وفي مواجهة هذا الواقع، لم يتخلَّ ربيع عن الزراعة، بل استأجر أرضًا بديلة ليواصل العمل.
يقول: "استأجرت أرضا لمواصلة زراعة البندورة والكوسا والفقوس التي ننتج أطنانًا منها".
ولا يقتصر عمله على الإنتاج فقط، بل يوفّر فرص عمل لآخرين طوال العام لمساعدتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
ورغم سنوات الغربة حرص ربيع على نقل ارتباطه بالأرض إلى أبنائه وأحفاده، فيقول: "أحفادي يأتون إلى هنا ليتعلموا قيمة العمل في الأرض".
ويضيف: "عندما نقطف الكوسا والفقوس، أُقيم لهم بسطة صغيرة ليبيعوا وليتعلموا كيف يحافظون على ما تركه أجدادهم".
ويتابع: "الأرض تعطي، لكنها تحتاج إلى من يعمل فيها ويحافظ عليها".
ويشدد على أهمية أن يقوم كل شخص بالزراعة بقدر استطاعته لتحقيق الاكتفاء الذاتي من أرضه، مؤكدا بالقول: "هذه أرضنا، ولن تكون إلا لنا".
** الحماية مفقودة
ورغم حصوله على الجنسية الأمريكية يفتقد ربيع للحماية ضد الاعتداءات، ويقول إن الملحق العسكري الأمريكي في تل أبيب زاره وذهب معه إلى الأراضي وشاهد الواقع، ووعده بتسهيل وصوله إلى أرضه، ويستدرك: "لكن حتى اليوم لم نتمكن من ذلك".
ويشير ربيع إلى وجود نحو ثلاثة آلاف دونم من أراضي المنطقة "خارج سيطرة أصحابها".
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أسفرت اعتداءات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في الضفة عن مقتل ما لا يقل عن 1155 فلسطينيًا، وإصابة نحو 11 ألفًا و750 آخرين، إضافة إلى اعتقال قرابة 22 ألفًا.