أيمن جملي
تونس – الأناضول
بدأ جامع الزيتونة القابع في قلب العاصمة التونسية يستعيد دوره التعليمي فى شهر رمضان الجاري من خلال جذب رواد العلم والطلاب وذلك بعد أفول دام أكثر من نصف قرن على يد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وتبعه زين العابدين بن علي الذي أطاحت به الثورة التونسية عام 2011.
وأصبح الجامع الذي يعتبر بمثابة منارة للعلم في تونس يحتضن حلقات تعليم دينية ودراسية خاصة بعد إقامة أكاديمية للعلوم الشرعية هذا العام به حيث أصبح يرتاده الزوار الذين وجدوا فيه ضالتهم، فمنهم من يطالع بمكتبة المسجد كتب التفاسير، أو يتلو القرآن من أجل ختمه خلال الشهر المبارك، ومنهم من يأتي بهدف دراسة العلوم الشرعية، وذلك بالإضافة للعلوم الإنسانية الأخرى.
يصحب كمال أبناءه الثلاثة كل يوم خلال رمضان بعد أن يشتري مستلزمات الإفطار إلى مكتبة الزيتونة، حيث يطالع بعض التفاسير لمواضيع دينية مازالت غامضة في ذهنه، ويترك الأطفال يتمتعون بالجو الروحاني للجامع ويستأنسون المكان رفقة أقرانهم، بحسب ما قال لوكالة "الأناضول" للأنباء.
وتابع "أحرص كل مرة على جلب أبنائي إلى هذا المكان ليتقربوا من دينهم ويتسنى لهم أخذ فكرة عن تاريخ الإسلام في تونس وعن دور هذا الجامع في ترسيخ قيم الدين السمح".
خالد شاب في الثلاثينات من العمر، يعمل مهندسًا إعلاميًا يفضّل بعد نهاية دوام العمل التوجه إلى المدينة القديمة والجامع، حيث يكمل باقي يومه بين مطالعة الكتب الدينية وتلاوة ما تيسر من سور الرحمن وهي عادة ''تربينا عليها منذ الصغر، أنا وأصدقائي من سكان المدينة القديمة تعلمنا في رحاب الزيتونة أسس اللغة العربية قبل مزاولة التعليم الأكاديمي في المدارس الحكومية".
وتنظم إدارة التعليم ومشيخة جامع الزيتونة في رمضان دروسًا تشمل الفقه والتجويد والتفسير يقدمها علماء وشيوخ نهلوا من التعليم الزيتوني سابقا - وأصبحت الآن "مفتوحة لكل التونسيين وغير التونسيين وتستمر طيلة شهر العبادة''، وذلك خلافا للسنوات السابقة التي شهدت قيودًا على زوار المسجد ونشاطه خلال عهدي بورقيبة وبن علي، بحسب المشرفين عليها لـ"الأناضول".
نشاط الجامع خلال الشهر الكريم لا يقتصر على ترتيل القرآن والصلاة بل ينظم المسابقات الوطنية في القرآن الكريم ويتم مكافئة المتفوقين من الحفظة وتقام فيه احتفاليات كبيرة بذكرى غزوة بدر في ليلة السابع عشر من رمضان تليها مسامرات دينية في ليلة القدر.
ويُعتبر جامع الزيتونة الثالث في العالـم العربي الإسلامي من حيث الأهمية التاريخية والذي بني على غرار جامع عقبة بن نافع في القيروان.
كما يعد معلمًا تاريخيًا وهندسة معمارية مشهودًا لها. تاريخ بناء الجامع يعود لعام 698 م حيث اقتضت الحاجة تشييد مسجد للصلاة ونشر الدين الإسلامي بين أهالي تونس، فبني أول مسجد فيها بأمر من الشيخ الأمين حسان بن النعمان الغساني، وقام عبيدالله بن الحبحاب بإتمام عمارته في 736م.
أطلق عليه اسم جامع الزيتونة نسبة إلى شجرة زيتون كانت مغروسة في مكانه، واعتبره العلامة عبد الرّحمن بن خلدون- الذي تتلمذ ودرّس به- طليعة المؤسسات التعليميّة في المغرب الإسلامي خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، حيث كان التعليم فيه يشمل التعليم الإسلامي والفلسفة وعامة العلوم العقليّة والرياضيّة وخصوصا الطب والفلك والرياضيّات.