الرباط/ الأناضول
مخاوف من أن يؤدي الجمع بين ارتفاع الدين وضعف النمو وزيادة أعباء خدمة الدين إلى تضييق الخيارات أمام الحكومات مقابل مطالب اجتماعية بالحفاظ على الإنفاق في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية
الخبير الاقتصادي محمد نظيف:
- زيادة مخصصات الدفاع والطاقة ترفع المديونية وتأتي على حساب تمويل القطاعات الاجتماعية
- خيارات الدول لخفض المديونية تبقى محدودة لصعوبة التكهن بمآلات النظام الاقتصادي والمال
تشكل مستويات الدين العام المتصاعدة في الدول الأوروبية أحد أبرز المخاطر التي تواجه اقتصادات القارة.
فهذه الديون تفرض ضغوطا على الموازنات وارتفاعا في كلفة الاقتراض وتراجعا في هامش الإنفاق على الاستثمار والقطاعات الاجتماعية.
ويثير استمرار هذا المسار مخاوف من تأثيرات أوسع على النمو والاستقرار الاجتماعي، خصوصا مع خروج مظاهرات في دول أوروبية احتجاجا على الأوضاع المعيشية والسياسات المالية وخفض الإنفاق في بعض القطاعات.
وسجلت مستويات الدين العام في دول أوروبية معدلات مرتفعة خلال 2026، فمثلا بلغ الدين العام الفرنسي بنهاية الربع الثاني من العام نحو 119 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعادل حوالي 3.6 تريليونات يورو.
ورغم تركز المخاوف بشأن المديونية في دول مثل فرنسا وإيطاليا، إلا أن الضغوط التي تواجه الموازنات الأوروبية تمتد إلى دول أخرى.
ويأتي ذلك في ظل زيادة تكاليف الدفاع والطاقة وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ فبراير/ شباط الماضي، والتي انعكست سلبا على الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي لإمدادات الطاقة والسلع عالميا.
ويهدد هذا الوضع بتقليص الإنفاق على قطاعات اجتماعية وزيادة الضغوط المعيشية، ما ينذر بتصاعد واتساع الاحتجاجات الشعبية، التي تشهدها دول بينها فرنسا والبرتغال وبلجيكا وإسبانيا.
تكاليف الدفاع والطاقة
وقال الخبير الاقتصادي المغربي محمد نظيف للأناضول إن ارتفاع الدين العام لدى الدول الأوروبية يرتبط بعوامل، من بينها زيادة تكاليف الدفاع جراء الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ فبراير/ شباط 2022 وتصاعد نفقات الطاقة.
وأوضح أن الدين الذي يثقل كاهل الدول الأوروبية يأتي أيضا في ظل غياب مصادر تمويل جديدة وتراجع المداخيل، إلى جانب النفقات الكبيرة على التسلح لدعم أوكرانيا والإفراط في تمويل قطاعات غير منتجة.
واعتبر أن هذا الوضع المالي الحرج يكشف هشاشة النظام المالي الأوروبي.
وأشار نظيف إلى أن اليونان سبق أن وصلت إلى وضع مالي بالغ الصعوبة (أزمة دين حكومي بدأت في 2009)، قبل أن تتسع أزمة المديونية لتشمل دولا أوروبية أخرى.
ولفت إلى أن زيادة مخصصات الدفاع والطاقة تأتي على حساب تمويل القطاعات الاجتماعية.
واعتبر نظيف أن أولى مؤشرات تصاعد الدين العام الأوروبي برزت منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وما أفرزته من تخصيص ميزانيات كبيرة لدعم تسلح كييف طوال سنوات الحرب.
وتابع أن قفزة أسعار الطاقة زادت الضغوط المالية على الدول الأوروبية، التي تستورد نسبا كبيرة من النفط والغاز، ما رفع تكاليف الشركات والدول على حد سواء.
وتصاعدت الضغوط على الدين العام الأوروبي نتيجة ارتفاع تكاليف الدفاع والطاقة وفوائد الاقتراض، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الموازنات.
وتتوقع المفوضية الأوروبية ارتفاع الدين العام في منطقة اليورو من 88.7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 إلى 90.2 بالمئة في 2026، ثم إلى نحو 91.2 بالمئة في 2027، بفعل ارتفاع العجز الأساسي وتكاليف الفائدة وضعف النمو.
وتُرجع المفوضية هذا الاتجاه إلى تشديد الأوضاع المالية وارتفاع عوائد السندات، إلى جانب زيادة الإنفاق على الدفاع والتدابير المتعلقة بأسعار الطاقة، وهو ما يفرض ضغوطا إضافية على الموازنات حتى دون توسع كبير في نفقات جديدة.
كما يتوقع صندوق النقد الدولي استمرار مستويات الدين العام الأوروبي المرتفعة خلال السنوات المقبلة.
وتوقع، في تقرير صادر في 13 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، تباطؤ نمو منطقة اليورو إلى 1.1 بالمئة عام 2026.
كما خفض توقعاته لنمو الاقتصاد الفرنسي إلى 0.4 بالمئة في 2026، فيما توقع نموا بنسبة 2.5 بالمئة في إسبانيا.
وأشار الصندوق إلى أن عجز الموازنات لا يزال مرتفعا في عدد من الدول، بما يعني استمرار تجاوز الإنفاق للإيرادات، وهو أحد المحركات الرئيسية لتراكم الدين.
انعكاسات اجتماعية
ووفق نظيف، فإن أزمة الديون والضغوط المالية انعكست اجتماعيا في عدد من الدول الأوروبية، بينها فرنسا وإسبانيا وبلجيكا.
وقال إن بعض هذه الدول تشهد احتجاجات واسعة، وفي مقدمتها فرنسا، في ظل تراجع تمويل قطاعات اجتماعية، من بينها التعليم.
وأضاف أن ارتفاع تكاليف التسلح والطاقة يضغط أيضا على الاستثمارات، بما قد يؤدي إلى خفض فرص العمل وإضعاف قدرة الاقتصادات الأوروبية على تحقيق معدلات نمو أعلى.
ولفت إلى أن هذه الأوضاع تتيح كذلك مساحة أكبر لليمين المتطرف لاستثمار حالة الاستياء الاجتماعي والاقتصادي وتحويلها إلى مكاسب سياسية.
وتتزايد المخاوف من أن يؤدي الجمع بين ارتفاع الدين وضعف النمو وزيادة أعباء خدمة الدين إلى تضييق الخيارات أمام الحكومات الأوروبية، خصوصا في ظل مطالب اجتماعية متزايدة بالحفاظ على الإنفاق في مجالات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
خيارات محدودة
واعتبر الخبير المغربي أن خيارات الدول الأوروبية لخفض المديونية تبقى محدودة في ظل سياق دولي صعب يتسم بالضبابية وصعوبة التكهن بمآلات النظام الاقتصادي والمالي الدولي.
وفي هذا السياق، قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، في 14 أكتوبر الجاري، إن من أبرز التطورات منذ اجتماع الصندوق السابق في أبريل/ نيسان الماضي هو ارتفاع العوائد في الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات لم تشهدها منذ عقود.
وأضافت جورجيفا، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، أن ذلك يعود إلى عدة عوامل، بينها استمرار التضخم وزيادة طلب المستثمرين وتوقعات نمو مستقبلي أقوى بفضل الذكاء الاصطناعي وأوضاع المالية العامة.
وزادت أن دولا كثيرة لم تستغل فترة التعافي التي أعقبت جائحة كورونا في الفترة 2019-2023 لإعادة بناء هوامش الأمان المالي، ما أدى إلى ارتفاع مستويات الدين مع كل صدمة جديدة.
وأوضحت أن الاقتصادات المتقدمة تعد هذه المرة من أكثر الاقتصادات إخفاقا في هذا الجانب.
وبحسب جورجيفا، تنتقل آثار ارتفاع العوائد المرجعية إلى الأسواق الناشئة والبلدان منخفضة الدخل، ما يفرض ضغوطا تصاعدية على تكلفة خدمة الدين.
وأشارت إلى أن المشكلة تتفاقم عندما تكون البلدان عرضة لمخاطر إضافية لأسباب أخرى.
ولفتت إلى نجاح العديد من هذه الدول في تحسين أطر سياساتها وتعزيز مؤسساتها، بما زاد قدرتها على الصمود.
واستدركت: "لكنها لا تزال تواجه ضغوطا ناجمة عن ارتفاع تكاليف الوقود والغذاء وتراجع المساعدات الإنمائية وفتور شهية المستثمرين الأجانب تجاه الاستثمارات الأعلى مخاطرة".
ودعت جورجيفا إلى إصلاحات عاجلة للأوضاع المالية العامة قبل اتساع الاختلالات، عبر تعزيز الإيرادات وترشيد الإنفاق وتحسين إدارة المالية العامة.