أنتناناريفو (مدغشقر)-آلان ليونينا-الاناضول
هن مجموعة من الفتيات الملغاشيات تنحدر أغلبهن من الأحياء الفقيرة، تمكنّ بفضل اجادتهن فن ضرب الطبل من الخروج من ضنك العيش إلى آفاق أرحب عبر جولات يقمن بها في كل أصقاع العالم، إلى البرازيل وتايلاندا و كمبوديا وغيرها.
ترفع "سامباترا فانيفا"، قائدة مجموعة "بلوكو مالاغازي" ذراعيها في الهواء، ترتسم ابتسامة غضة على وجهها، تعطي إشارة الانطلاق لرفيقاتها ثم تنبري الأجساد النحيلة تتمايل في رقصة منسجمة مع إيقاع قرع الطبول المحمول على اعناقهن كقلائد من ذهب. وبإنزال "فانيفا" لذراعيها، تُعطى إشارة نهاية المقطع بعد 30 دقيقة من العرض المضني والشيق جعلت أجساد الفتيات الـ10 تتصبب عرقا دون ان تفارق الابتسامة ولو للحظة محياهن. ، لقد فرغن للتو من تقديم 6 مقاطع كانت مزيجا من الإيقاعات البرازيلية والملغاشية والإفريقية.
موهبة الفتيات التي انتزعت الإعجاب من جميع المتابعين لعروضهن لا توحي البتة بأنهن ترعرعن في أحياء "توليارا" الفقيرة، الواقعة على بعد 1000 كيلومتر جنوبي العاصمة انتناناريفو. بأقمصة زرقاء قميصا أزرق وتنورات بسيطة مزدانة بالأزهار، تمكنت فتيات "بلوكو مالاغازي" من تقديم عروض فنية رفيعة المستوى جعل المقارنة مع الفنانين المحترفين تستقيم قطعا، كما جعل الطلبات تتهاطل عليهن من مدغشقر او من جميع أصقاع الدنيا.
"خوزي لويس غيراو" مؤسس المجموعة ومدير منظمة "بال أوفنير" (المستقبل الجميل) غير الحكومية التي نشأت المجموعة من رحمها، يؤكد على ان اجندة الفتيات مكتظة. ويتابع في تصريح للاناضول: "في شهر أبريل (نيسان)، سنذهب إلى جنوب إفريقيا ضمن فعاليات كأس العالم للرقبي وصالون السياحة في مدينة كاب تاون، أما في شهر أغسطس (آب)، فسنقوم بجولة في جميع أنحاء مدغشقر وسنسافر في نوفمبر (تشرين الثاني) إلى كاليدونيا الجديدة".
وتظل رحلة البرازيل التي قامت بها فتيات "بلوكو مالاغازي" بمناسبة كأس العالم لكرة القدم 2014 بدعوة من بلدية "ريو دي جينيرو" من أجمل ما رسخ في ذاكرتهن لأهمية الموعد الذي اكتسى بعدا كونيا تمكن من خلاله من ترك بصمتهن ولو بالنزر القليل، وستكون لهن عودة إليها عام 2016، بحسب غيراو.
"فانيفا" تذكّر بالرحلات المكوكية للمجموعة وفي نبرة صوتها فخر وشيء من الحماس الطفولي، تقول: لقد سافرنا أيضا إلى بانكوك (عاصمة تايلاندا) و إلى كمبوديا وإلى عدد من الدول الأوروبية".
وتدرك فتاة الـ 23 ربيعا ان حلم القيام بجميع هذه السفرات لم يكن حتى ليروادها لولا انتمائها إلى المجموعة وهي تتحدث عن ذلك كمن يحمل جميلا في الأعناق بالقول: "الانضمام إلى المجموعة غير مجرى حياتي وأتاح لي فرصة اكتشاف أشياء لم أكن ابدا لأتمكن من رؤيتها".
وتنحدر "فانيفا" من اسرة كبيرة العدد تعيش في أحد أحياء "توليارا" (تبعد 1000 كيلومتر على العاصمة أنتناناريفو) الفقيرة، وغادرت الدراسة عند سن الـ 17، وعلى غرار عدد كبير من فتيات البلدة كانت "فانيفا" لتعرف مصيرا مغايرا تماما لما تعايشه حاليا من خلال مغامرتها الفنية، كمثل الحمل المبكر، هذه "الآفة المنتشرة في البلدة" كما يقول "خوزي لويس غيراو" بأسف بدا على محياه.
"منذ ان صرت عضوا في فرقة بلوكو مالاغاسي، أصبحت أكثر هدوءا ونضجا، وبما أن العمل والمسؤوليات تأخذ حيزا كبير من وقتي، لم يعد لدي وقت للتسكع"، تقول "فانيفا".
وكانت منظمة "بال آفونير" قد أطلقت عام 2009 -في إطار مكافحة ظاهرة الحمل المبكر- دروسا في قرع الطبول انضمت إليها مجموعة من الفتيات أصبحت البعض منهن فيما بعد عضوات لمجموعة "بلوكو مالاغازي".
"الأمر يتعلق بتوفير نشاط للفتيات في الفترة الليلية لتجنب الاختلاط داخل الأحياء وتجنيبهم الحمل المبكر"، بحسب رئيس المنظمة غير الحكومية الذي زاول دراسات بيطرية و وجد نفسه "عن طريق الصدفة في توليارا"، بحسب تعبيره.
وتتقلد "سامباترا فانيفا" منصب مديرة فنية للـ "بلوكو مالاغازي" التي تتكون من200 عنصر من بينهن 100 طفلة تتراوح اعمارهن ما بين 13 و 22 عاما، وتتوزع مهام المديرة الفنية ما بين إدارة التمارين والإشراف على الآلات الموسيقية وصيانتها وموكول إليها أيضا ما يكتسي أهمية أكبر من ذلك جميعه: مهمة نقل قيم المجموعة للفتيات الصغيرات.
في أوقات فراغها تزاول "فانيفا" دروسا للحلاقة ممولة من منظمة "بال أفونير"، قد تلجا إليها في يوم من الأيام حتى تتمكن من إعالة نفسها وأسرتها.
ويؤكد مدير المنظمة غير الحكومية على أن "الفتيات يقمن بالتداول فيما بينهن على المشاركة في الجولات" حتى لا تشعر أيا منهن بالضيم، مع الإبقاء على "فانيفا" كعنصر قار تشارك في جميع الرحلات بصفتها المديرة الفنية للمجموعة.
هي إذن تجربة تجمع ما بين ما هو فني وما هو اجتماعي، تذهب إلى أبعد من مجرد إقامة الحفلات والعروض خارج مدغشقر، وتحاول ربط منظمة "بال أفونير" بصلات مع منظمات غير حكومية أخرى ومد جسور تعاون بينها في سبيل إيجاد حلول لمشاغل الشباب المتنوعة عبر العالم قاطبة.
في الأثناء، تواصل نجاحات مجموعة "بلوكو مالاغازي" تشكيل واجهة لنجاحات المنظمة غير الحكومية التي تهتم بتعليم ما بين 1300 و 1400 طفل وتستمر في إدامة حياة برنامج تربوي وبيئي واجتماعي متكامل في آن معا.
----------------------------
أعده للنشر بالعربية - مهدي بن رجب