هناء صلاح
غزة-الأناضول
إعلان الغرفة التجارية الفلسطينية أمس بأن قطاع غزة "منكوب اقتصادياً"، جاء تأكيداً جازما على أن هجوم "عمود السحاب"، كان فيصلاً في التفريق بين "اقتصاد القوة" الأقرب إلى الاقتصاد العسكري التكنولوجي الحر المفتوح، وبين "الاقتصاد المقاوم" الأقرب إلى الاقتصاد التقليدي المحاصر المتداعي، بل المنهار.
"الأناضول" تحلل الأضرار الاقتصادية الأولية لخسائر الطرفين خلال العملية العسكرية التي بدأها الجيش الإسرائيلي ضد غزة في 14 من نوفمبر الجاري، حيث بلغت خسائر قطاع غزة قرابة 4مليار دولار، في حين كانت التكاليف العسكرية المباشرة للعملية الإسرائيلية تقارب3 مليار شيكل، أي 877 مليون دولار تقريباً.
-الاقتصاد الإسرائيلي:
الاقتصاد الإسرائيلي التابع للاقتصاد الأميركي في تطورات قطاعاته المختلفة تلقى ضربات موجعة جراء العملية العسكرية التي بدأها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد قطاع غزة الأربعاء في 14 من شهر نوفمبر الجاري، والتي استمرت لمدة 10أيام.
وتمحورت تلك الضربات بشكل أساسي في: التكاليف العسكرية المباشرة وغير المباشرة للعملية من ناحية، ومن ناحية أخرى والتكاليف التي فرضتها صواريخ المقاومة التي انطلقت من غزة والتي وصلت العاصمة الاقتصادية للكيان "تل أبيب".
حيث بدأت المؤسسات الإسرائيلية الحكومية وغير الحكومية بعد الوصول إلى التهدئة مساء الأربعاء بتجهيز إحصاءات دقيقة عن قيمة تلك التكاليف، فاستمرار العملية المفاجئ أضاف إلى ميزانية الحكومة الإسرائيلية المثقلة نفقات جديدة.
التكاليف العسكرية و المدنية:
وتوضح صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن خبراء توزيع هذه التكاليف، حيث وصلت التكاليف العسكرية المباشرة بحسب الصحيفة إلى 2مليار شيكل.
أما صحيفة "معاريف" فزادت عليها ملياراً آخر(لتصبح 760مليون دولار).
و بحسب هآرتس يضاف إلى ذلك225 مليون شيكل (أي ما يعادل57,7 ألف دولار) تكلفة استدعاء 10,000 جندي احتياطي لمدة عشرة أيام.
كذلك تكلفة منظومة "القبة الحديدية" للردع الصاروخي، التي وصفتها "هآرتس" بنجم العملية، فقد أنشأت القبة خصيصاً في عام 2007م لصد الصواريخ القادمة من قطاع غزة، حيث ازدادت أهميتها في هذه الحرب مع زيادة التطور النوعي والكمي لصواريخ المقاومة الفلسطينية، فزادت المطالب الحكومية بزيادة عدد البطاريات الحديدية.
وتصل تكلفة الصاروخ الواحد المنطلق من هذه القبة ما بين 50,000 -35,000 دولار.
وإذا افترضنا أن العدد الصحيح لصواريخ المقاومة وصل إلى 1200 صاروخ، و قام بصده على الأقل صاروخ واحد من القبة الحديدية هذا يعني أن تكلفة صد مجموع الصواريخ فقط تصل إلى (60 مليون دولار) على الأقل.
وتحمل هذه العملية آثاراً غير مباشرة على قطاع السياحة الذي سيتضرر للعام المقبل، كما حدث بعد حرب تموز2006 ضد جنوب لبنان، والحرب ضد غزة 2008-2009.
أما بالنسبة للقطاع الصناعي فقد أغلقت المصانع الكبيرة والمتوسطة والصغيرة الموجودة على محيط 75كم من قطاع غزة أي ضمن مرمى صواريخ المقاومة، وخفضت من إنتاجها لتلك الفترة .
ويشير اتحاد المصانع الإسرائيلية إلى خسارة تقارب نحو 150 مليون شيكل (أي ما يعادل 38,5 ألف دولار)، و تقع هذه التعويضات على كاهل الحكومة، أما تعويضات معظم المدنيين فهي على المعهد الوطني للتأمين.
كذلك التكاليف التي تم تخصيصها للحرب الإعلامية عبر أجهزةٍ لاختراق القنوات الفلسطينية والعربية المتابعة للحرب، وكذلك جميع الإذاعات المحلية، بهدف كسر الروح المعنوية للفلسطينيين من خلال تهديدهم على سبيل المثال بالحرب البرية باستخدام أقوى الأسلحة.
البورصة الإسرائيلية:
تهاوى الشيكل الإسرائيلي في سوق الصرف الأجنبي أمام الدولار واليورو، بالتدريج خصوصا مع اليوم الثاني للهجوم على غزة، حيث انخفض إلى نسبة زادت عن 0.63%، كما تهاوت المؤشرات الرئيسة في بورصة تل أبيب، وعلى رأسها مؤشر المائة شركة الكبرى، وهو مؤشر تل أبيب 100، ومؤشر تل أبيب25 و مؤشر Blue Tech50 في الأيام الأولى ثم عاودت الصعود ببطء شديد.
الحكومة ستدفع الكثير:
الحكومة الإسرائيلية الحالية أمام خيار صعب يستوجب عليها توفير كافة المصروفات والتعويضات لسكانها،لاجتناب حالة الغضب التي ستصب على خلفية خسائر و نتائج هذه العملية، وتلك النفقات توفرها الحكومة في الأساس من الولايات المتحدة الأميركية، وبذلك لن تحسب تكاليف هذه العملية ضمن موازنة2012 ولا حتى 2013، وقد تضطر الحكومة الإسرائيلية إلى توسيع الوعاء الضريبي من خلال رفع ضريبة القيمة المضافة من 1% إلى 18%، و بالتالي تحصد 4 مليار شيكل لخزينتها، وقد يكون هذا الخيار صعباً لاسيما بعد التظاهرات التي شابهت الربيع العربي في إسرائيل تندياً بالسياسات الحكومية الإسرائيلية.
أما الحكومة القادمة بعد انتخابات يناير المقبل ستحمل وزراً كبيراً، حيث ستستلم فشلا حكومياً تجاه غزة، واقتصاداً مثقلاً بالنفقات عاجزاً عن جلب الإيرادات.
اقتصاد غزة:
أما اقتصاد غزة الذي يعاني من الحصار السياسي والاقتصادي منذ العام2006 فلم يكد يحتمل الهجمات الإسرائيلية المتكررة بين الفترة والأخرى.
اقتصاد القطاع يعاني من ارتفاع نسب البطالة والفقر و رداءة البنية التحتية للمؤسسات العامة وانخفاض مستويات الرعاية الصحية، والاعتماد الرئيسي المساعد في تحريك عجلة الاقتصاد في غزة هو المساعدات والمنح والهبات الخارجية حتى وان كانت تحركه ببطءٍ أو لفترة مؤقتة.
لعل هذه الأسباب تصب في حقيقة عدم وفرة إحصاءات سريعة و دقيقة عن خسائر القطاع التي لا تحتاج إلى حرب لتزداد فهي مستمرة يومياً بملايين الدولارات.
فبعد ثلاثة أيام من الهدنة أعلنت الغرفة التجارية الفلسطينية أن قطاع غزة "منطقة منكوبة اقتصادياً"، نتيجة خسارته لما يزيد عن 4 مليارات دولار خلال أيام العدوان الثماني الأخيرة.
وأوضح محمد اليازجي رئيس الغرفة التجارية بأن آثار العملية الأخيرة دمرت جميع قطاعات وفروع الاقتصاد في غزة، ابتداءً من البنية التحتية مروراً بالقطاعات الصناعية والزراعية والخدماتية ومجالات التعليم والصحة والرياضة والإعلام، ولم تسلم دور العبادة من آثارها أيضاً.
كما توافرت بعض التصريحات التي أدلت بها مراكز حقوقية ومتخصصة لتظهر حجم الدمار الذي حل بغزة خلال العدوان، فمن جهته أصدر مركز الميزان لحقوق الإنسان إحصاء –يحتمل الزيادة-عن حجم الأضرار التي تعرضت لها المنشآت، حيث تضرر قرابة 965 منزل،92 بشكل كلي، و 179بشكل جزئي.
علماً أن المواطن الفلسطيني إلي يقضي-بالمتوسط-30عاماً لبناء منزل يراه ركاماً خلال 30ثانية بفعل صاروخ واحد أو اثنين معاً، إضافةً إلى تضرر10مستشفيات،35مدرسة،2مقر جامعة،15مؤسسة أهلية،30مسجد ،14مؤسسة إعلامية و مركز بحثي،8مقرات وزارية،14مقر أمني و شرطي،3ملاعب و أندية رياضية،5مقرات لبنوك تجارية،3مقابر،جسرين حيويين،3فنادق.
كذلك في القطاع الصناعي تضرر حوالي 92 مصنعاً و منشأة تجارية ،ناهيك عن بقية المصانع التي توقفت عن الإنتاج بشكل كامل.
و في تصريح لوكالة PNN الفلسطينية يشير الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم الى 40 مليون دولار خسائر يومية للقطاع خلال الحرب.
من ناحية أخرى أغلقت كثير من المؤسسات الدولية غير الحكومية مكاتبها و غادر موظفيها قطاع غزة خلال الفترة.
أما القطاع الزراعي سجل أضراراً هالة قاربت 120 مليون دولار في إحصاء أولي لوزارة الزراعة الفلسطينية ،توزعت على أضرار مباشرة بقيمة 50مليون دولار، وغير مباشرة بقيمة 70مليون دولار.
وقد كانت جل الأضرار المباشرة في جانب الإنتاج النباتي بقيمة 30,5 مليون دولار، وقطاع الإنتاج الحيواني بقيمة 16 مليون دولار، وقطاع الصيد البحري بقيمة 30 مليون دولار.
وبخصوص قطاع البنوك قالت جمعية البنوك في فلسطين في بيان أصدرته يوم الهدنة،أن البنوك الفلسطينية ماضية رغم التحديات في تقديم خدماتها للمواطنين، وبالتنسيق المباشر مع سلطة النقد الفلسطينية.
ومن الجدير ذكره أن سلطة النقد الفلسطينية لا تستطيع استخدام السياسات النقدية والاقتصادية الفعالة لحماية قيمة العملة المستخدمة "الشيكل الإسرائيلي" و التي انخفضت أثناء الحرب بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي، وبالتالي لا تملك الحكومة الفلسطينية أية سلطة على النقد المتداول لديها.
والبورصة الفلسطينية بعد أن شهدت تقدماً في الأشهر الأخيرة، تعرضت لخسائر قاربت انخفاضاً بنسبة 3% في أول افتتاح أثناء الحرب، وقد خفف من حدتها أن مقر البورصة ومعظم الشركات المتداولة موجود في الضفة الغربية التي يحاول الاحتلال الإبقاء على فصلها الاقتصادي ناهيك عن الجغرافي لها مع قطاع غزة.
و لا يوجد في قطاع غزة نظام تعويضات للمواطنين مشابه لأنظمة التعويض أو التامين الموجود في إسرائيل و إنما هي سياسة توجيه وتوزيع المساعدات والدعم الذي يصل إلى غزة على المواطنين عبر طرق مختلفة تتبعها الحكومة في قطاع غزة، مثل: مشاريع التشغيل المؤقتة، ومشاريع الاعمار، والضمان الاجتماعي للفئات المحتاجة، وتشغيل العمال، ودعم بعض المشاريع الصغيرة، محاولةً منها لإنعاش الاقتصاد.
و يؤكد استاذ الاقتصاد بالجامعة الإسلامية في غزة د.محمد مقداد بأن هذه التقديرات جميعها أولية و معرضة للزيادة ،لأنه أضرار الجانب الفلسطيني ولا يمكن أن تكون أقل من الأضرار التي تعرض لها الجانب الإسرائيلي الذي ما انفك يضرب البنية التحتية والقطاعات المختلفة في قطاع غزة لمدة عشرة أيام متواصلة، لاسيما في ظل الحصار الاقتصادي الذي فرضه على غزة منذ عام2006.
(1دولار=3.90 شيكل اسرائيلي).
عا - مصع
news_share_descriptionsubscription_contact
