القاهرة/ حسين القباني/ الأناضول
المعلق الجزائري حفيظ دراجي للأناضول:
- المشاهد العربي أصبح اليوم أكثر انتقائية إذ يبحث عن المعلق الذي يروق لذائقته ويناسب تطلعاته
- نال التعليق العربي تقديرا لافتا في الأوساط الغربية رغم أن كثيرا منهم لا يفهمون اللغة العربية
- لقد وضع جيلنا والجيل الذي سبقنا اللبنة الأولى لكن المسؤولية ستكون أكبر على الجيل المقبل
- التقليد يقتل الروح والموهبة والإبداع ويقضي على جوهر التعليق في حد ذاته
المعلق المصري محمد الكواليني للأناضول:
- المدرسة العربية ناجحة بكل المقاييس وهي مدرسة متميزة تثبت وجودها يوما بعد يوم
- الغالبية العظمى تميل للتعليق العربي ومدرسة أمريكا الجنوبية اللذين يتميزان بالحماس وغزارة المعلومات
- يجب على المعلق أن يحب المهنة من قلبه وأن يعيش أجواء المباراة داخل غرفة التعليق
- يجب جعل الجماهير تعيش الحدث من خلال الحماس والصوت القوي والكلمات المؤثرة
"جول.. جول.. جول"، و"الله، الله، الله"، و"يا لها من ليلة مجنونة"، و"واو.. واو.. واو".. عبارات انطلقت بأصوات معلقين عرب خلال مباريات كأس العالم 2026، ممتلئة بالحماس، لترسم لمن يسمعها، حتى إن لم يشاهد المباراة، صورة حية لما يجري داخل الملعب، وكأنه يجلس في المدرجات أو أمام الشاشة.
ويعزو معلقان عربيان تحدثا إلى الأناضول تميز التعليق الكروي العربي في المونديال إلى عدة عوامل، في مقدمتها الحماس والثقافة الكروية وغزارة المعلومات والقدرة على التفاعل مع تفاصيل المباراة.
ويرى المعلقان الجزائري حفيظ دراجي والمصري محمد الكواليني أن التعليق العربي بات يحظى باهتمام عالمي متزايد، وأن الأجيال الجديدة قادرة على مواصلة هذا الحضور، شريطة الابتعاد عن التقليد وتطوير أدواتها المهنية والثقافية.
خلال مباراة إسبانيا وبلجيكا، الجمعة، واصل المعلق الجزائري المخضرم حفيظ دراجي هوايته في اللعب بالكلمات، مستشرفا خطورة الهجمات قبل اكتمالها، ومضفيا بحماسه على المباراة مزيدا من الإثارة.
وقبل هدف إسباني، قال دراجي: "خطيرة.. عرضية.. أوه، جوووول إسبانيا، جووول.. لعبة ولا أروع من الإسبان".
ولم يكتف دراجي بالحماس، بل أتبع الهدف بسيل من المعلومات عن صاحبه وتأثيره في مجريات المباراة، خلال ثوان قليلة.
كما أبدع المعلق المصري علي محمد علي في تعليقه على أهداف منتخب بلاده، بداية من مواجهة بلجيكا في 15 يونيو/ حزيران، حين سجل إمام عاشور هدف مصر.
وقال حينها: "سجل يا إمام، سجل يا إمام.. حلوة يا إمام، الله.. الهدف المصري الأول في كأس العالم، روعة، روعة"، قبل أن يوجه حديثه إلى مهاجم بلجيكا جيريمي دوكو بعبارة عامية حماسية.
وفي مباراة مصر أمام نيوزيلندا، في 22 يونيو/ حزيران، استبق علي محمد علي هدفا للفراعنة بتشويق قائلا: "محمد صلاح.. هي لعبتك، هي لعبتك".
وبعد تسجيل الهدف، أضاف: "ولا يهمنا.. صلاح عندنا، هي لعبتك.. المصري يقدر، ومحمد صلاح يسجل هدفه الجميل.. بص، شوف مصر بتعمل إيه".
وفي اليوم ذاته، وخلال مباراة الأرجنتين والنمسا في 22 يونيو/ حزيران، قدم المعلق اليمني حسن العيدروس تعليقا دراماتيكيا لافتا عقب تسجيل النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي هدفا.
وقال العيدروس: "الله، الله، الله.. فليفتح التاريخ ذراعيه، وليشهد العالم على هذه اللحظة، وليدون المجد رقما للخلود. دعني لا أسميك ليو، بل أسميك التاريخ نفسه".
وأضاف: "ليو، ليو.. يا من يحطم الأرقام، هل تبقى لك في التاريخ شيء تفعله؟ وهل تبقى لك في التاريخ شيء تكتبه؟ أنت لم تطارد الأرقام القياسية، بل هي من طاردتك".
وفي اليوم التالي، تألق المعلق العُماني عامر الخوذيري، بعدما سجل نجم البرتغال كريستيانو رونالدو هدفه الأول في مونديال 2026 أمام أوزبكستان.
وقال الخوذيري: "الله، الله، الله.. كنت أعلم أنك قادم للانتقام، وكنت أعلم أنك سترد على الجميع، على العالم، وعلى المونديال، وعلى المشككين، وعلى أولئك الذين فقدوا الذاكرة".
وتابع: "لكل من تساءل، ولكل من نادى، رونالدو يجيب، رونالدو يتحدى، رونالدو يتكلم. يا أيها التاريخ، ضع رونالدو هنا هدافا للبرتغال عبر تاريخها.. يا الله، أي روعة هذه، أنت الوحيد الذي تحتار فيك الكلمات".
وفي حديث مع الأناضول، قال المعلق الجزائري حفيظ دراجي إن التعليق العربي بات يحظى بقيمة كبيرة لدى المشاهد خلال السنوات الأخيرة، بفضل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، التي ساهمت في نقل أداء المعلقين وتفاعلهم مع مباريات كرة القدم إلى جمهور أوسع.
وأضاف دراجي أن "المشاهد العربي أصبح اليوم أكثر انتقائية، إذ يبحث عن المعلق الذي يروق لذائقته ويناسب تطلعاته".
وأشار إلى أن هذا الاهتمام لم يعد مقتصرا على النطاق العربي، بل امتد إلى الغرب، بعدما أصبحت المقاطع التي توثق التعليق العربي تُتداول بكثرة عبر منصات التواصل ومواقع إعلام أوروبية تتناوله بوصفه ظاهرة فريدة.
وتابع: "نال التعليق العربي تقديرا لافتا في الأوساط الغربية، رغم أن كثيرا منهم لا يفهمون اللغة العربية، وأعرف أجانب يفضلون الاستماع إلى أصوات المعلقين العرب للاستمتاع بالحماس المصاحب للمباريات، وهذه ميزة تحسب للتعليق العربي".
واعتبر دراجي أن تميز المعلقين العرب في كأس العالم يمثل استمرارا لنهج متراكم، موضحا أن سر هذا الحضور يكمن في الحماس الذي يضفيه المعلق العربي، وهو حماس مستمد من طبيعة الإنسان العربي وتفاعله بمشاعره وعواطفه مع كرة القدم.
ولفت إلى حدوث تحول في اهتمامات الجمهور، إذ كان التركيز في الماضي ينصب على المباراة، بينما أصبح المشاهد يهتم اليوم بالمباراة والمعلق على حد سواء.
ورأى أن هذا التحول زاد حجم المسؤولية والضغوط الملقاة على عاتق المعلقين، ودفعهم إلى ضرورة مواكبة تطلعات الجمهور المتزايدة.
وعن مستقبل التعليق العربي، قال دراجي: "المستقبل مرهون بالجيل الصاعد. لقد وضع جيلنا والجيل الذي سبقنا اللبنة الأولى، لكن المسؤولية ستكون أكبر على الجيل المقبل، الذي قد يواجه تحدي التقليد".
وحذر من أن "التقليد يقتل الروح والموهبة والإبداع، ويقضي على جوهر التعليق في حد ذاته".
وخلص إلى أن "مستقبل التعليق جزء لا يتجزأ من مستقبل الإعلام وكرة القدم عموما"، معربا عن سعادته بالاهتمام الجماهيري الواسع، الذي يضع القنوات التلفزيونية أمام مسؤولية منح هذا المجال أهمية أكبر، بعدما أصبح جزءا أساسيا من متعة كرة القدم.
من جانبه، قال المعلق المصري محمد الكواليني للأناضول إن المدرسة العربية في التعليق قدمت حضورا ناجحا خلال كأس العالم المقامة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وأضاف أن التعليق العربي أثبت وجوده بقوة في النسخة الحالية، لما يملكه من نكهة ومتعة خاصتين، إلى جانب ما يتميز به المعلق العربي من ثقافة ومعلومات وروح وحماس.
وأوضح الكواليني أن المعلق العربي قادر على جعل المشجع يعيش أجواء المباراة بصورة أكبر، بفضل الحماس الذي يعد، وفق رأيه، سمة أساسية للتعليق العربي ومدرسة أمريكا الجنوبية مقارنة بالتعليق الإنجليزي.
وقال: "المدرسة العربية ناجحة بكل المقاييس، وهي مدرسة متميزة تثبت وجودها يوما بعد يوم".
وأشار إلى وجود مدارس مختلفة في التعليق الكروي، في مقدمتها المدارس الإنجليزية والعربية والأمريكية الجنوبية، ولكل منها طابعها ونكهتها الخاصة.
وأوضح أن التعليق الإنجليزي يمتاز عادة بالهدوء وقلة الكلام، وهي مدرسة يفضلها بعض المشاهدين.
واستدرك: "لكنني أرى أن الغالبية العظمى تميل إلى التعليق العربي ومدرسة أمريكا الجنوبية، اللذين يتميزان بالحماس وغزارة المعلومات وإدخال عبارات جميلة خلال المباريات".
ووصف الكواليني مستقبل التعليق العربي بأنه "مشرق جدا"، في ظل ظهور جيل من المعلقين المبدعين الذين قدموا أداء متميزا في المونديال الحالي، وساهموا في جعل الجماهير تعيش تفاصيل البطولة.
وأكد أن المعلق العربي المعاصر بات موهوبا ومثقفا ودارسا، سواء في مجالات التدريب أو علم النفس أو قوانين التحكيم، وهو ما يعزز فرص نجاحه في المجال الرياضي.
وقدم الكواليني مجموعة من النصائح للمعلقين الشباب، داعيا إياهم إلى المتابعة الدقيقة للمباريات، والإلمام بقوانين كرة القدم، والقراءة المكثفة في أساليب التدريب.
كما شدد على ضرورة مشاهدة البطولات المحلية والقارية والعالمية، والاستماع إلى مختلف المعلقين، ورصد الإيجابيات والسلبيات في أدائهم، والاستفادة من النماذج الناجحة والابتعاد عن الأخطاء.
واختتم قائلا: "يجب على المعلق أن يحب المهنة من قلبه، وأن يعيش أجواء المباراة داخل غرفة التعليق وكأنه لاعب في أرض الملعب، أو مدرب، أو حكم".
وأضاف أن الهدف هو "جعل الجماهير تعيش الحدث من خلال الحماس والصوت القوي والكلمات المؤثرة، لتصبح تجربة التعليق متميزة واستثنائية".
وبخلاف الجزائري حفيظ دراجي والمصري محمد الكواليني، تضم قائمة المعلقين العرب أجيالا عديدة من المبدعين.
فمن تونس يبرز عصام الشوالي ورؤوف خليف، ومن الإمارات علي سعيد الكعبي وفارس عوض، ومن سلطنة عُمان خليل البلوشي، ومن السعودية فهد العتيبي.
كما قدمت مصر أجيالا سابقة من المعلقين، بينهم محمد لطيف ومحمود بكر وميمي الشربيني وحمادة إمام، فيما يبرز في الأجيال الأحدث علي محمد علي وأيمن الكاشف وغيرهما.
وارتبطت أسماء عدد من هؤلاء المعلقين بعبارات بقيت عالقة في أذهان الجماهير، ومن أبرزها عبارات عصام الشوالي "مش ممكن.. مش معقول"، و"القاضية ممكن" و"فما حاجة".
وبين أصوات الرواد وحماس الأجيال الجديدة، يواصل التعليق الكروي العربي بناء مدرسة خاصة، تجمع بين المعلومة والعاطفة واللغة والإيقاع، لتضيف إلى كرة القدم متعة تتجاوز حدود الملعب.
وتستضيف الولايات المتحدة وكندا والمكسيك النسخة الثالثة والعشرين من كأس العالم لكرة القدم، خلال الفترة من 11 يونيو/ حزيران إلى 19 يوليو/ تموز، بمشاركة 48 منتخبا.
news_share_descriptionsubscription_contact
