دير البلح/ الأناضول
روان القرناوي من مخيم البريج وسط قطاع غزة:
- تركت مقاعد الدراسة وعملت في الزراعة لإعالة أسرتي، بعد مقتل والدي وتدمير منزلنا جراء الهجمات الإسرائيلية
- اضطررت لإعادة شراء المستلزمات الزراعية بأسعار مرتفعة في ظل تدهور اقتصادي حاد
- الأرض من دون ماء لا حياة فيها، وكل ما زرعناه مهدد بالتلف
- محصول القمح الذي نما بصعوبة يواجه مصيراً مجهولاً في ظل غياب الإمكانيات اللازمة لحصاده وطحنه
على تراب أرضها الزراعية، في أطراف مخيم البريج وسط قطاع غزة، تقف الشابة الفلسطينية روان سلامة القرناوي، تحاول أن تُعيد للحياة ما تبقى من إرث والدها الذي فقدته خلال حرب الإبادة الإسرائيلية.
لم تكن عودة القرناوي التي كانت تقطن المناطق الشرقية لمخيم البريج، إلى الزراعة مجرد خيار اقتصادي، بل تحوّلت إلى ضرورة قاسية فرضتها حرب الإبادة على غزة التي اندلعت في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بعد أن دُمّر منزل العائلة وفُقدت مصادر الدخل.
** ترك الدراسة
تقول القرناوي التي اضطرت لترك مقاعد الدراسة للأناضول: "بعد ما خرب كل شيء ودمر منزلنا، رجعنا نزرع من جديد لنكمل ما كان والدي يفعله قبل استشهاده".
وقتل سلامة القرناوي والد روان، أثناء عودته من العمل في أرضه الزراعية في مخيم البريج قبل عدة أشهر، جراء استهدافٍ إسرائيلي.
وتشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إلى تدمير إسرائيل أكثر من 94 في المئة من الأراضي الزراعية من أصل 178 ألف دونم، ما أدى إلى انهيار الإنتاج من 405 آلاف طن إلى نحو 28 ألف طن.
وتؤكد تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة أن نسبة الأراضي المتاحة للزراعة انخفضت إلى أقل من 5 في المئة عقب حرب الإبادة.
** تحديات كبيرة
وبإمكانيات محدودة، بدأت الشابة الفلسطينية رحلتها مع الأرض من الصفر حراثة، وبذر، وريّ، وسط واقع يفتقر لأبسط المقومات، بفعل حالة الحصار الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة.
وتفرض إسرائيل حصارا مشددا على قطاع غزة منذ يونيو/ حزيران 2007، عقب سيطرة حركة حماس على القطاع، ما أدى إلى عزله عن الضفة الغربية والعالم الخارجي، ولا يزال الحصار مستمرا، فيما زادت حرب الإبادة وتداعياتها من تعقيد الواقع الإنساني.
وتوضح القرناوي، أن أكبر التحديات التي تواجهها هي شح المياه، بعد تضرر مصادرها، وتعطل مضخة كانت تعتمد عليها العائلة في ري المحاصيل.
وتضيف: "الأرض من دون ماء لا حياة فيها، وكل ما زرعناه مهدد بالتلف".
وتزداد الصعوبات مع فقدان الأدوات الزراعية خلال حرب الإبادة، واضطرارها لإعادة شراء المستلزمات بأسعار مرتفعة، في ظل تدهور اقتصادي حاد.
ورغم ذلك، تمكنت القرناوي من زراعة الأرض بمحصول القمح، في محاولة للحفاظ على مورد رزقها الوحيد.
لكن القلق لا يفارقها، فالمحصول الذي نما بصعوبة يواجه مصيراً مجهولاً، في ظل غياب الإمكانيات اللازمة لحصاده وطحنه.
وتقول القرناوي: "زرعنا القمح، لكن لا نعرف كيف سنحصده، وكيف سنطحنه، عندما يكون لديك هدف ولا تستطيع تحقيقه، يكون ذلك مؤلماً جداً".
ولا تقتصر معاناة القرناوي على التحديات الزراعية، بل تمتد إلى المخاطر الأمنية، حيث تقع الأرض في منطقة ليست بعيدة عن المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، ولا تخلو من إطلاق النار، ورغم ذلك، تواصل عملها اليومي، متشبثة بالأمل في إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ومنذ 20 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بدأت إسرائيل بوضع مكعبات إسمنتية صفراء على طول ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو خط انسحابها الأول من مناطق داخل غزة عقب اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 من ذات الشهر.
ويفصل الخط بين مناطق انتشار الجيش شرقا والمناطق التي يسمح للفلسطينيين بالتحرك فيها، وعبره تسيطر إسرائيل على نحو 60 بالمئة من المساحة الكلية لقطاع غزة.
وفي 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، أكدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" أن جميع الأراضي الزراعية في غزة تقريبا أصبحت "مدمرة أو يتعذر الوصول إليها"، ما حرم العائلات من مصادر دخلها الرئيسية ورفع أسعار المواد الغذائية إلى مستويات غير مسبوقة بعد عامين من الحرب.
** إرث وحلم
وتربط القرناوي بهذه الأرض علاقة تتجاوز حدود العمل، إذ تحمل في كل زاوية منها ذكرى لوالدها، وتستعيد جزءًا من هذه الذاكرة بصوت يختلط فيه الحنين بالألم، وتقول: "فقدت والدي وهو عائد من الأرض، وكلما جئت إلى هنا أشعر أنه ما زال معنا".
وتؤكد أن ما تقوم به ليس مجرد محاولة للبقاء، بل وفاء لحلم والدها الذي كان يسعى لزراعة الأرض كاملة بالقمح.
وتقول القرناوي: "زرعناها (الأرض) كما كان يتمنى، وسنستمر مهما كانت الظروف".
ووفق تقرير إحصائي نشره المكتب الإعلامي الحكومي بغزة في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، تكبد القطاع الزراعي خسائر بلغت نحو 2.8 مليار دولار جراء عامين من الحرب الإسرائيلية.
كما دمر الجيش الإسرائيلي 1233 بئرا زراعيا وأخرجها من الخدمة، إضافة إلى تدمير أكثر من 85 بالمئة من الدفيئات الزراعية، بحسب المصدر نفسه.
وشنت إسرائيل في 8 أكتوبر 2023 حرب إبادة جماعية بدعم أمريكي استمرت لمدة سنتين، خلفت أكثر من 72 ألف قتيل فلسطيني وأكثر من 172 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودماراً طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.