حازم بدر
"نريد تطبيق التجربة التركية في مصر".. عنوان لصفحة جديدة أنشأها شباب مصريون على فيس بوك تعكس رغبة قطاع عريض من الشعب المصري في نقل تلك التجربة إلى بلادهم.
ومنذ أن بزغ عهد جديد في مصر في أعقاب ثورة يناير، تتجلى هذه الرغبة بقوة في وسائل الإعلام المصرية المكتوبة والمرئية وفي الندوات الثقافية، كتجربة يمكن استلهامها لمصر الجديدة.
وبعد نجاح محمد مرسي القادم من خلفية إسلامية، في انتخابات الرئاسة الأخيرة، تصاعدت هذه المطالب بشكل أقوى في وسائل الإعلام المصرية حيث أبدى كثير من المعلقين تفاؤلهم بإمكانية تحقيق مرسي نجاحًا كالذي حققته التجربة التركية تحت قيادة الثنائي رجب طيب أردوغان وعبد الله غول القادمين – أيضًا – من خلفية إسلامية.
ولا تكاد تخلو صحيفة يومية مصرية أو موقع إخباري إلكتروني يوميًا من التحليلات والدراسات ومقالات الرأي بشأن النموذج التركي وإمكانية تطبيقه في مصر.
صحيفة "المصري اليوم" نشرت في 7 يوليو الماضي مقالاً لأستاذ العلوم السياسية سعد الدين إبراهيم تحت عنوان "النموذج التركي هو الأقرب لمصر في ظل رئاسة مرسي". وذهب إبراهيم في مقاله إلى أن تركيا هي الأقرب في مسارها التاريخي والتنموى إلى مصر. وأوضح قائلاً: "فضلاً عن القرب الجغرافى والارتباط التاريخى الطويل من ١٥١٧ إلى ١٩١٧، فإن هناك تقارباً فى الحجم السكانى، ومستوى التطور".
وفي إطار المقارنات بين النموذجين المصري والتركي، أشارت باكينام الشرقاوي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، المرشحة مساعدة للرئيس المصري، في تصريحات لها يوم 14 أغسطس الجاري لموقع "مراسلون" إلى أن قرارات الرئيس مرسي بإحالة المشير حسين طنطاوي والفريق سامي عنان للتقاعد جعلته "يتفوق على النموذج التركي في تحجيم المؤسسة العسكرية".
وكتب من جانبه المفكر الإسلامي كمال حبيب في 18 يونيو 2011 مقالاً بموقع "اليوم السابع" الإلكتروني حول تطبيق التجربة التركية في مصر، أشار فيه إلى النموذج التركي في الدبلوماسية، وهو نموذج قائم على استخدام "القوة الناعمة"، وأشار في هذا الإطار إلى تعبير مثير للاهتمام تستخدمه تركيا وهو «العلاقات الصافية»، أى العلاقات القائمة على تصفية المشاكل مع الجيران، أو "تصفير المشاكل"، أى جعلها صفرًا، داعيًا لاعتماده في السياسة الخارجية المصرية.
وبدوره، خصص الإعلامي عماد الدين أديب حلقة في يوليو الماضي من برنامجه "بهدوء" الذي يقدمه على محطة (سي بي سي) الفضائية للحديث عن التجربة التركية وإمكانية قيام الإخوان المسلمين في مصر بتطبيقها.
وذهب عبد المنعم سعيد، الرئيس السابق لمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، والذي حل ضيفًا على الحلقة، إلى أن تطبيق مصر للنموذج التركي مرهون بقيام جماعة الإخوان المسلمين بالفصل بين الجماعة والحزب، داعيًا الحزب إلى استيعاب التيارات السياسية الأخرى.
أما الإعلامية المصرية بفضائية "دريم"، منى الشاذلي فقد سبق أن استضافت السفير التركي بالقاهرة حسين عوني في 16 مايو 2012، حيث تحدث عن سر نجاح التجربة التركية، وأكد على وجود أوجه شبه كثيرة بين مصر وتركيا تسمح بنقلها لمصر.
وعلى صعيد الندوات، عقد قصر ثقافة أسيوط بصعيد مصر في 5 مارس الماضي ندوةً بعنوان "التجربة التركية"، ضمن فعاليات المنتدى الثقافي؛ وحاضر فيها "دورموش دوغان" مدير المركز المصري التركي، والشاعران: محمد زهيري، وجمال عطا.
وألقت الندوة الضوء على دولة تركيا وسبل صعودها تنمويًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، وكيف يمكن لدولة مثل مصر أن تشهد تغييرات كبرى إيجابية على غرار أنقرة.
وعقد مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بمؤسسة الأهرام ندوة الشهر الماضي بالمشاركة مع مركز التفكير الإستراتيجي التركي تحت عنوان "التحول الديمقراطي في مصر وتركيا.. مقارنات ودروس"، تناولت ملامح التجربة التركية وآليات تطبيقها في مصر.
وحدد المحلل السياسي المهتم بالتجربة التركية كمال حبيب في تصريحات خاصة لمراسل الأناضول عدة جوانب بهذه التجربة يمكن لمصر استلهامها أبرزها نظام الإدارة المحلية، أو ما يسمى بـ "البلديات"، والتي تلعب هناك دورًا مهمًا في توفير الخدمات الرئيسية للمواطنين من خلال منحها استقلالاً ماليًا وإداريًا عن الحكومة المركزية.
ويقول حبيب الذي حل ضيفًا على العديد من وسائل الإعلام للحديث عن هذه التجربة: "المحليات في تركيا تقوم بدور الوسيط بين المواطن والحكومة المركزية، وهذا يخفف العبء عن الحكومة المركزية ويجعلها تركز في رسم السياسات العامة".
ويلعب أيضًا "نظام الوقف" دورًا في تخفيف العبء عن الحكومة، ويشير حبيب إلى حضوره بقوة في المجتمع التركي من خلال آلاف الأوقاف، مما ساعد في حل كثير من مشكلات المجتمع.
ويقول: "هذا النظام ليس غريبًا على مصر، فقط نحن بحاجة لاستعادته حيث كان موجودًا في الماضي وقدم مساعدة في كثير من القضايا أبرزها التعليم والصحة".
ويرى الخبير المهتم بالشأن التركي أن إمكانية استلهام التجربة الاقتصادية التركية ليس صعبًا، خاصة أنها قائمة على مبدأ إسلامي يشجع على جودة العمل، وقال: " في الضمير التركي فإن المواطن بات يسعى لأن تكون الصناعة الوطنية نموذجًا للجودة والرخص بأفضل من الصناعات الأوروبية والأمريكية والآسيوية".
وعلى عكس بعض الاتجاهات المصرية التي ترى أن هناك "استحالة" لتكرار التجربة التركية سياسيًا، يرى الخبير السياسي إبراهيم البيومي غانم أن الحالة السياسية في مصر تؤهل لإمكانية استنساخها، بل والذهاب إلى ما هو أبعد منها.
ويقول غانم، والذي له أكثر من مقال نشر في جريدة الأهرام المصرية حول إمكانية نقل التجربة التركية، أن الأحزاب الإسلامية في مصر يمكنها استيعاب التيارات الأخرى اليسارية والعلمانية، كما نجح حزب العدالة والتنمية في تركيا.
وأوضح غانم في تصريحات خاصة للأناضول أن هناك سببين لذلك، أولهما أنه "لا يوجد انقسام حاد بين الأحزاب الإسلامية والعلمانيين واليساريين في مصر، بدليل أن أغلب العلمانيين في مصر يقرون بالمبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية وأنها المصدر الرئيسي للتشريع، وأن الإسلام دين الدولة، فهذه الثوابت الكبرى لا يختلفون عليها، على الأقل في ظاهر الكلام".
أما السبب الآخر فهو أن "التيارات العلمانية تعاني فقرًا جماهيريًا، فليس لهم وزن جماهيري يخيف أو يعرقل أو يصعب على الإسلاميين التعامل معهم، وليسوا كالعلمانيين الأتراك"، بحسب تقديره.
وقال: "في تركيا هم لهم أحزاب ولهم جماهير، بما يجعل هناك انقسام جماهيري بالأساس في تركيا، أما في مصر فالعلمانيون عبارة عن مجموعة من النخب (محدودة العدد)، ولكن صوتهم عال، وكلما ارتفع الصوت دل ذلك على ضعف الجماهيرية".
ويلفت محمد عبد القادر، مدير أحد المواقع المهتمة بالشأن التركي، إلى عوامل ديمجرافية وتاريخية وشخصية تجعل هناك اهتمامًا مصريًا بالتجربة التركية، وتؤهل لإمكانية الاستفادة منها في بعض العناصر.
ويقول في تصريحات خاصة للأناضول: "مصر وتركيا بلدان مسلمان وينتميان لمذهب واحد هو المذهب السني، كما أن عدد سكانهما متقارب، وكلاهما له تاريخ حضاري، والحزب الحاكم بكلا الدولتين جاء من خلفية إسلامية وعلاقتهما ببعض وطيدة".
وينطلق عبد القادر من هذه الثوابت المشتركة ليقول إن التجربة التركية يمكن استلهامها في عدة جوانب منها التجربة الديمقراطية التركية في التعامل مع الأقليات والتجربة التنموية الاقتصادية والسعي لبناء دور إقليمي فعال في المنطقة.
news_share_descriptionsubscription_contact
