يوسف ضياء الدين
الجزائر ـ الأناضول
ترحيب حذر في الجزائر باعتراف هولاند بجريمة مظاهرات 1961 ومطالبته بجرأة أكبر من خلال "اعتذار الجاني" الشامل بجرائم الاستعمار الفرنسي طوال 132 سنة في الجزائر.
لقيت خطوة الرئيس الفرنسي الذي اعترف بالمجازر التي ارتكبت في حق متظاهرين جزائريين عام 1961 بباريس ترحيبًا في الجزائر ووصفت بأنها "رسالة حسن نية" عشية زيارته للجزائر.
وجاء الرد الرسمي من الوزير الأول عبد المالك سلال الذي صرح على هامش عرض برنامج حكومته على مجلس الأمة بالقول "ستكون بمثابة عربون وتسبيق لطي هذه الصفحة من التاريخ ولكن دون أن ننسى".
وكان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قد أكد الأربعاء أن "في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 1961 قتل جزائريون يتظاهرون من أجل الحق في الاستقلال في قمع دام".
وأضاف في بيان نشره موقع الرئاسة الفرنسية أن "الجمهورية تقر بوعي بهذه الوقائع، بعد 51 عامًا على هذه المأساة، أوجه تحية إلى ذكرى الضحايا".
وتعد هذه الخطوة الأولى من نوعها لفرنسا الرسمية تجاه مجازر 17 أكتوبر/ تشرين الأول 1961 في حق جزائريين كانوا يقيمون بفرنسا خرجوا للتظاهر بالعاصمة باريس للمطالبة باستقلال بلادهم، ليقابلوا برد وحشي من الشرطة الفرنسية، حيث تجاوز عدد الضحايا آنذاك المئات رُمي بالعشرات منهم أحياء في نهر السين وأعدم آخرون رميًا بالرصاص، إلى جانب أكثر من ألف جريح، وتم توقيف أكثر من 12 ألف متظاهر حسب مؤرخين.
وتطالب الجزائر الرسمية على جانب كل المنظمات الثورية والأحزاب فرنسا منذ استقلال البلاد عام 1926 بالاعتراف بجرائم الاستعمار غير أن السلطات بباريس ترفض لحد الآن هذا المطلب وتؤكد على ضرورة ترك الأمر للتاريخ.
وقال المؤرخ محمد عباس لوكالة الأناضول "ما قام به هولاند خطوة إيجابية لكن الاعتراف الكبير الذي ينتظره الجزائريون هو ذلك الذي يخص جرائم الاستعمار الفرنسي طيلة تواجده بالجزائر".
وأوضح عباس "لكن لا يمكن أن نصف ما قام به هولاند إلا بالخطوة الجريئة من سياسي بفرنسا التي مازال بها أشخاص يمجدون الفكر الاستعماري".
وتابع المتحدث "في اعتقادي هذا الاعتراف متأخر وجزئي لأن الإدانة يجب أن تطال الاستعمار كجريمة ضد الإنسانية بصفة عامة".
وحول ما إذا كانت خطوة هولاند مرتبطة بحسابات سياسية عشية زيارته للجزائر قال عباس "لا أعتقد ذلك فالمتابع لخط اليسار الفرنسي الذي ينتمي إليه هولاند يرى أن ذلك يمثل خطًا إستراتيجيًا في نظرته لملف الاستعمار وجرائمه، وبالتالي فهو ليس ظرفيًا".
وأصدر حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم الخميس بيانًا ركز فيه على أن ترقية العلاقات مع فرنسا يستوجب "اعتراف الجاني بجريمته والمبادرة بتقديم اعتذار شجاع وصريح، يطمئن الجزائريين بأن ما حدث خطأ تاريخي لن يتكرر، وأن التعاون المنشود من الجانبين لن يتم على حساب الحقيقة والذاكرة".
وأضاف البيان أن "أحداث 17 أكتوبر 1961 التي ذهب المئات ضحيتها من المهاجرين الجزائريين في مراكز الشرطة أو غرقى في نهر السين، فضلاً عن العشرات من الجرحى والمفقودين، إنما هي جريمة دولة بحق أبرياء عزل، لن تسقط بالتقادم".
ومن جهته قال قاسة عيسى، الناطق الرسمي باسم الحزب، لوكالة الأناضول للأنباء الخميس أن "هذه الخطوة من الرئيس الفرنسي إيجابية ولكنها غير كافية"، ودعا "فرنسا إلى الاعتراف بجريمة استعمار الجزائر طوال 132 سنة".
وتناولت وسائل الإعلام الجزائرية اعتراف هولاند بمجازر 17 أكتوبر/ تشرين الأول 1961 بـ"ترحيب" واصفة الأمر "بادرة حسن نية منه تجاه الجزائر" عشية زيارة ينوي القيام بها شهر ديسمبر القادم.
وقالت صحيفة الشروق واسعة الانتشار في عنوان حول الموضوع "وأخيرًا فرنسا تعترف بمجازر 17 أكتوبر" وأكد كاتب المقال "جاء اعتراف فرنسا قبل أسابيع من زيارة الرئيس هولاند للجزائر كرسائل حسن نية، وتطرح الخطوة ذاتها مدى استجابة فرنسا للاعتراف بباقي جرائمها إبّان الحقبة الاستعمارية، على مدار 130 سنة".
ليواصل طرح تساؤلات حول أبعاد هذه الخطوة هل "هذا الاعتراف تغير في لهجة خليفة ساركوزي، نحو اعترافات جديدة بشأن جرائم الاستعمار ولتحقيق مصالحة تاريخية بين الشعبين الفرنسي والجزائري، أو مجرد محاولة للتغطية عن الاعتذار للجزائريين وتمييع مطلب الاعتذار عن الجرائم الاستعمارية".
أما صحيفة الخبر فقالت إن هولاند معروف بتضامنه مع ضحايا هذه المجازر "وقد شارك العام الماضي لما كان مرشحًا عن الحزب الاشتراكي الفرنسي لمنافسة نيكولا ساركوزي، في احتفالية أقيمت بـجسر كليشي في الضاحية الباريسية، وقام بإلقاء باقة ورود في مصب نهر السين"، وقال ''أريد أن أكون وفيًا لوعودي التي قطعتها وجئت لأشهد على تضامني مع أبناء تلك العائلات التي تألمت".
أما يومية "ليبرتي" الناطقة بالفرنسية فعنونت مقالاً حول الموضوع بـ"بادرة قوية من هولاند عشية زيارته للجزائر" وقالت إن "هولاند باعترافه بهذه المجازر لم يقم سوى بترميم ظلم تاريخي كما أنه بعث برسالة قوية ورمزية للجزائر عشية زيارته".
ومن جهتها نقلت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية عن مؤرخين فرنسيين قولهم إن "الاعتراف الرسمي بمجازر 17 أكتوبر 1961 منعطف حاسم في العلاقات الفرنسية الجزائرية".
وأكد المؤرخ أوليفي لوكور غران ميزان لمراسل الوكالة بباريس أن "هذا الاعتراف يشكل فعلاً منعرجًا حاسمًا في تاريخ الجمهورية الفرنسية لأنه جاء في سياق خاص يميزه انتهاء عهدة نيكولا ساركوزي".
وأوضح "إنه سياق اتسم فيما يتعلق بنكران جرائم الاستعمار وإعادة كتابة التاريخ وتمجيد الحقبة الاستعمارية بشكل غير مسبوق منذ سنة 1962".
أما المؤرخ جان لوك اينودي فاعتبر هذا الاعتراف "أكثر من خطوة أولى وإنما مرحلة مهمة بالنسبة للشعب الجزائري الذي يرى من خلال تصريحات الرئيس الفرنسي اعترافًا بمجموع ضحايا هذه المجازر".