تقرير وتصوير-أمنية كُريم
"المئذنة البعيدة تخص مسجد تربانة.. أما هذه فهي وكالة الشوربجي الأثرية".. عبارة قالها أحد أهالي مدينة الإسكندرية الساحلية، شمال مصر، وهو يشير إلى مبنى عتيق تسنده الأخشاب، ويكاد يبتلعه سوق خضر وفاكهة يخفي معالمه ونصفه الأسفل.
كانت هذه بداية جولة لمراسلة "الأناضول" لتفقّد أهم الآثار التي تعود إلى فترة الحكم العثماني لمصر في قلب الحي التركي العتيق بغرب الإسكندرية، شمال مصر، وهو من أولى المناطق التي شهدت تواجدًا عثمانيًّا بالمدينة.
ويبدو للناظرين أن كلاً من وكالة الشوربجي ومسجد التربانة يجاهدان للبقاء؛ ليرويا معلوماتهما عن حقبة تاريخية ليست بالبعيدة، رغم عدم رعايتهما من الجهات المسؤولة بالشكل الكافي.
وبدأت الجولة بزيارة وكالة الشوربجي، التي تضم مسجدًا ونٌزلاً للمسافرين، وهي زيارة في حد ذاتها مغامرة، حيث عليك أن تدقق النظر خلف أجولة البصل والطماطم والبطاطس لتكتشف الباب الخشبي العتيق للمسجد المغلق حاليًا.
ويفصل هذا المسجد بين عالمين منفصلين تمامًا، فعلى جانبيه من الخارج تتراص المحال التجارية التي أنشئت للصرف من ريعها على المسجد وقت عمارته، بينما خلف المسجد توجد مساكن فيما يعرف بالوكالة أو "الربع" التي كانت مخصصة قديما كنُزل للمسافرين.
ومن فتحات الشبابيك الخشبية الخارجية للمسجد وعيون المشربية تظهر ساحة المسجد الرحبة التي تظهر عليها أعمال ترميم لم تكتمل.
ويكسو جدران الساحة خزف لبني مميز، وينيرها منبر برتقالي نادر، وتظهر أبيات الشعر المنقوشة بألوان مبهجة علي "دكة المبلغ" في نهاية المسجد.
وأنشأ هذا المسجد القائد العسكري التركي عبد الباقي الشوربجي عام 1758م، حيث كان يتولى منصب المسؤول عن إعداد الشوربة (الحساء) للجنود العثمانيين، وهو منصب مهم قديما، ويطلق على صاحبه "الشوربجي".
وعلى بعد 300 متر من الوكالة ومسجدها يوجد مسجد تربانة، الذي يعود تأسيسه إلى عام 1685عندما أمر بإنشائه الحاج إبراهيم بن الحاج عبيد المغربي الشهير بتربانة، وكان من كبار تجار الإسكندرية وأعيانها.
ورغم أن وزارة الآثار المصرية حاولت التدخل للحفاظ علي هذين الأثرين فإنها توقفت بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 بسبب قلة التمويل، ما أدى إلى إغلاق المسجدين حتي الآن.
لكن عماد عجوة، مدير عام البحوث الأثرية والنشر العلمي بمكتب وزير الآثار، أوضح لمراسلة "الأناضول" إن الوزارة سوف تستأنف أعمال الترميم المهمة للمسجدين للحفاظ عليهما.
وأشار، في هذا الصدد، إلى اتفاقية التعاون التي تم عقدها مؤخرًا مع وكالة التعاون والتنسيق التركية الدولية "تيكا"، وستقوم بموجبه بشراء الخزف المطلوب لمسجدي الشوربجي وتربانة، بالإضافة إلى عمل التعديلات اللازمة لتنظيم جديد لمقبرة النبي دانيال بالإسكندرية.
ومن ناحيته، حذّر حسام عبد الباسط، مفتش الآثار الإسلامية بوزارة الآثار والمشرف علي عملية ترميم وكالة الشوربجي، من أن تأخير أعمال الترميم "سيؤثر سلبيًّا على المبنى التاريخي.
ولفت، في تصريح للأناضول، إلى أن "الإهمال" السابق أدى لانهيار الجزء الأيسر من الوكالة الأثرية عام 2008؛ وهو ما أدى لتدخل سريع من وزارة الآثار وقتها.
بدوره، أشار تامر زكي، مفتش الآثار الإسلامية بالوزارة، إلى أن أعمال الترميم بدأت في وكالة الشوربحي عام 2009، ولكنها توقفت تدريجيًّا منذ قيام الثورة بعد تنفيذ ما يقرب من 60% منها.
وفيما يخص مسجد تربانة، أوضح زكي أنه نظرا لحاجة المسجد للترميم فقد قامت وزارة الدولة لشؤون الآثار بالبدء في أعمال الترميم تحت الإشراف الأثري والهندسي بالوزارة في عام 2010، إلا أن الأعمال بدأت في التوقف نهائياً عقب الثورة، بعد أن تم إنجاز حوالي 70% من إجمالي الأعمال.