إيمان عبد المنعم
القاهرة - الأناضول
لا يكاد يمر شهر على مصر دون أن تشهد مظهرًا من مظاهر عدم الاستقرار السياسي.
فمن الحكم ببراءة مساعدي وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، إلى أحداث مذبحة رفح وأزمة حل الغرفة الأولى للبرلمان، مرورًا بالمظاهرات الفئوية وأحداث السفارة الأمريكية في القاهرة، وانتهاء بأزمة إقصاء النائب العام من منصبه والحكم بتبرئة المتهمين بقتل متظاهري ثورة 25 يناير فيما يُعرف بـ"موقعة الجمل"..
وما بين كل أزمة وأخرى، لا تلبث مصر أن تشهد حالة من الاستقرار السياسي النسبي التي لا تدوم طويلاً، وهو ما جعل سؤالاً ملحًا يثور على ألسنة كثير من المصريين: كيف يتحقق هذا الاستقرار السياسي؟ وماهي آلياته؟
وكالة الأناضول للأنباء استطلعت آراء خبيرين سياسيين للإجابة عن هذا السؤال، فأجمعا أن الطريق يبدأ بخطوات محددة من مؤسسة الرئاسة، تتمثل في وضع إستراتيجية واضحة للعدالة الانتقالية، وخطة عاجلة لإصلاح وتطهير مؤسسات الدولة، فضلاً عن دراسة متأنية للقرارات قبل إعلانها ومزيد من الحرص على التوافق مع باقي القوى السياسية، بحسب قولهما.
أيمن الصياد رئيس تحرير مجلة "وجهات نظر"، رأى أن "المراحل الانتقالية من نظام مستبد إلى نظام جديد ديمقراطي تحتاج لمجموعة من الاشتراطات المعروفة في العلوم السياسية بعنوان مبادئ العدالة الانتقالية، وتتمثل في خمسة اشتراطات".
وأوضح لمراسلة الأناضول للأنباء أن تلك الاشتراطات تعد بمثابة "خارطة الطريق لتحقيق الاستقرار المنشود"، وهي كالتالي:
1- المحاسبة: بكل ما تعنيه هذه الكلمة بمعنى أنه لا يمكن أن تقام دولة جديدة دون أن يشعر الشعب بأن هناك محاسبة على جرائم النظام السابق الذي ثار عليه.
2- توثيق الحقيقة (الذاكرة): بمعني أن يشعر الضمير الجمعي للشارع بالخطوط الفاصلة بين ما هو صواب وما هو خاطئ من ممارسات في الحكم.
3- التعويض: بمعني تعويض المتضررين عن العقود الماضية والنظام القديم، سواء من جرائم تعذيب أو فساد أو غيرهما من الأضرار التي قام بها النظام السابق والتي تحتاج لتعويض من تضرر بها.
4- إصلاح المؤسسات: وفي مقدمتها 3 مؤسسات؛ هي المؤسسة الأمنية والقضاء والإعلام.
5- المصالحة: وتأتي بعد استيفاء الشروط الأربعة السابقة، والمقصود من المصالحة هو فتح صفحة جديدة بين النظام الجديد والمؤسسات التي أخطأت أو تغولت وكذلك الأفراد، فعلى سبيل المثال، ضباط الشرطة جميعهم كانوا يعملون في المؤسسة الأمنية في النظام السابق، وكذلك الأعضاء العاديون في الحزب الحاكم وموظفو الإدارات المحلية يمكن التصالح مع من يتمكن منهم من الانخراط في النظام الجديد.
إلا أن الصياد شدد على أنه "لن يتحقق ذلك إلا بعد إعلاء مبدأ المحاسبة، فالمحاسبة شرط للمصالحة بمعنى أن صاحب الحق يملك العفو، بعد ذلك من باب: من عفا وأصلح فأجره على الله، ولكن بعد صدور أحكام".
وأوضح أن "النظام الجديد منذ وصوله للحكم انشغل بالمشكلات الحياتية اليومية من خبز ووقود ومطالب فئوية مجتمعية، وهو ما أخذ ويأخذ منه جهدًا ووقتًا طويلاً، وبالتالي لم يسمح بعد بتطبيق هذه الاشتراطات الخمسة بشكل كامل".
واقترح الصياد - الذي يعمل كمستشار للرئيس المصري - إنشاء "هيئة مستقلة للعمل على تحقيق العدالة الانتقالية من خلال تلك الملفات الخمس"، مضيفًا "ومازلت أحاول أن تكون تلك الملفات من مهام الهيئة الاستشارية" للرئاسة.
من جانبه، رأى أشرف الشريف، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن "مفتاح الاستقرار في مصر يتحقق بتطبيق التغييرات التي طالبت بها الثورة، وإعادة هيكلة الدولة ومؤسساتها بشكل يقلل الخسائر والمواجهات بين النظام الجديد وفئات وقوى ومؤسسات المجتمع".
وأوضح في تصريحات لمراسلة وكالة الأناضول أن "الاستقرار السياسي يتطلب تغيير نوعية السياسات العامة خاصة الاقتصادية منها والاجتماعية، وهذا لم يتحقق بعد، ويبدو لنا أن مؤسسة الرئاسة مازالت غير قادرة علي المضي قدمًا في اتخاذ مثل هذه القرارات، بل يتضح لنا أنها تحاول إحداث نوع من المواءمات والتصالح مع بعض رجال النظام السابق من خلال تكريمهم أو إبقائهم في مناصبهم".
وأشار الشريف إلى أن "الشارع لا يلمس المجهود الذي تبذله مؤسسة الرئاسة ولكن ما يلمسه أو يشعر به هو نوع من التخبط في القرارات ولذلك فالمرحلة القادمة إذا كان هناك رغبة منشودة في تحقيق الاستقرار، تحتاج إلى دراسة متأنية للقرارات قبل إعلانها".
وطالب الشريف بضرورة أن تعترف مؤسسة الرئاسة بأن "المسار خلال الفترة الماضية كان خاطئًا، يجب أن تكون هناك إجراءات لتصحيحه، من بينها الانطلاق نحو الحفاظ على ما تبقى من علاقات بينها وبين القوى السياسية، وتدفع لدعم تلك العلاقات بدلاً من الصدام معها، خاصة أن أحداث يوم الجمعة الماضية دعمت عدم الثقة في مؤسسة الرئاسة من قبل القوى السياسية".
وشهد الجمعة الماضي اشتباكات بين مؤيدين ومعارضين للرئيس مرسي في منطقة ميدان التحرير بوسط العاصمة المصرية القاهرة والشوارع المؤدية إليه، وهو ما أرجعه بعض المحللين المستقلين إلى إصرار جماعة الإخوان المسلمين على التظاهر في ذلك اليوم احتجاجاً على تبرئة القضاء للمتهمين في "موقعة الجمل"، رغم إعلان قوى معارضة من قبل عزمها التظاهر في اليوم ذاته تحت عنوان "كشف الحساب" للرئيس.
وفي هذا السياق، رأى الشريف أن "الرئيس مرسي اكتسب خلال الفترة الماضية شعبية وتعاطفًا حقيقيًا من الشارع المصري على خلفية جهوده، إلا أن تحركات جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها الرئيس، تقلل من رصيده في الشارع".
news_share_descriptionsubscription_contact


