الأناضول- حلب
خديجة الزغيمي
أصبحت سوريا مترعة بالقصص، التي تحمل معاني البطولة والتضحية، وتترك في نهايتها ثكالى وأيتاما وأرامل، لا يزالون يشعرون بأنفاس الفقيد الحبيب معهم، ويعيشون بأمل أن يتحقق الهدف الذي من أجله بذل حياته.
قصة كتبت بالدم
عائلة "شحاتة"، من مدينة الأتارب بمحافظة حلب، سطرت بدماء أبنائها إحدى هذه القصص. كان رب العائلة منشغلا بالبحث بين ركام، كان بيته الى وقت قريب، أملا في أن يعثر على شيء، تحته، كُتبت له النجاة.
التفت عندما شعر بقدومنا، توجه إلينا بقامته التي حنتها سنوات عمره الثمانين، وفي يده قطعة يبدو أنها كانت بابا زجاجيا لخزانة.
عرّفنا عليه مرافقنا، أنه والد لشهيدين، وجدّ لشهيد، في البداية ظهرت الحماسة على وجه الحاج "أبو علي"، وأخذ يحكي كيف استشهد ولداه "علي" و"أحمد"، وحفيده "أحمد"، خلال قتالهم في صفوف الجيش الحر ضد الجيش النظامي.
ومن ثم ظهرت ملامح الحنان على جوارحه، عندما اقتربت منّا امرأة عجوز تحمل طفلا صغيرا، وتتعلق بأذيالها طفلة خجول، قال لنا، وقد بدأ صوته في التهدج "هذه زوجتي مع حفيدي، ولدا ابني الشهيد علي".
جريدة توثق الشهادة
اغرورقت عيناه بالدموع، وهو يحكي حالهما بعد استشهاد والدهما، ألقى بقايا الباب الزجاجي، بعد أن جرحت يده، وهو يضغط عليها محاولا الحفاظ على رباطة جأشه. تحول في ثوان إلى رجل عجوز يرثي أبناءه. أخرج من جيبه ورقة جريدة، بدا أنه يحتفظ بها ككنز ثمين، وأخذ يشير لنا إلى صور أبنائه، في تلك الصفحة من جريدة محلية، تعرّف بأبطال الأتارب.
خمسة أبناء مع الثوار
شاركت الزوجة في الحديث، لتخبرنا أن أبناءها الخمسة، يقاتلون الآن مع الجيش الحر، ثم أشارت بأسى إلى بقايا بيتهم، وهي تقول، "لم يكفهم أن سلبوا حياة أبنائي، بل دمروا منزلنا أيضا".
نكتب قصتكم ليقرأها الآخرون
بدأت بقية العائلة في الظهور، اقتربت منا إحدى زوجات الأبناء، وما أن شاهدت الكاميرات حتى ظهر الأمل على وجهها،و قالت لنا "ستساعدوننا أليس كذلك؟ ستساعدوننا على إعادة بناء بيتنا"، لم نعرف كيف نجيبها، دون أن نحبطها أو نعطيها أملا زائفا، قلنا لها، نحن صحفيون، سنقوم بواجبنا ونكتب عنكم، عسى أن يقوم الآخرون أيضا بواجباتهم، وتنهض سوريا من جديد.
أخذتنا الجدة إلى المنزل الذي يقيمون فيه مؤقتا، والذي يعود لعائلة من أقاربهم لجأت إلى تركيا. هناك كانت الأرملتان، والابنة الوحيدة التي لم تعد قادرة على الذهاب للجامعة، بسبب انضمام إخوتها للجيش الحر. جميعهن يرتدين السواد. رحبن بنا، وأخذت الابنة تحدثنا، كيف تحاول أن لا تنسى ما تعلمته من اللغة التركية، التي كانت تدرسها في الجامعة.
هل يعود الأمل لسوريا؟
حدثننا عن صعوبة الحياة بلا مقومات أساسية، ولا موارد، وتحت تهديد القصف. وعندما تحول الحديث للشهداء، لم تتمالك أرملة "علي" نفسها وانهمرت دموعها، وانسلت إلى الداخل، في حين ودعناهن، ونحن نتساءل هل ستعود الحياة أبدا لطبيعتها بالنسبة لهذه العائلة، والآلاف من أمثالها في أنحاء سوريا؟